اما جملة (قالوا أنؤمن كما آمن السفهاء) التي مآلها: لا نقبل النصيحة كيف نكون كهؤلاء الأذلاّء؛ إذ هم فِي نظرنا سفهاء ولا نقاس نحن معاشر أهل الجاه عليهم .. ففي لفظ (قالوا) رمز إلى تبرئة النفس وترويج المسلك والاستغناء عن النصيحة والغرور والدعوى .. وفي لفظ (أنؤمن) بالاستفهام الإنكاريّ إشارة إلى شدة تمردهم فِي جهلهم المركب، كأنهم بصورة الاستفهام يقولون: أيها الناصح راجع وجدانك هل ترى انصافك يقبل ردّنا.؟ ثم أن فِي متعلق"قالوا"وجوهاً ثلاثة مترتبة؛ أي: قالوا لأنفسهم، ثم لأبناء جنسهم، ثم لمرشدهم، كما هو شأن كل متنصح إذا نصحه الناصح، فاول الأمر يشاور مع نفسه، ثم يحاور مع ابناء جنسه، ثم يراجعك بنتيجة محاكمتهم. فعلى هذا لما قيل لهم ما قيل راجعوا قلوبهم المتفسدة ووجدانهم المتفسخ فأشارت عليهم بالإنكار، فقالوا مترجمين عما فِي ضميرهم، ثم راجعوا بنظر الإفساد إلى إخوانهم، فأشاروا عليهم أيضاً بالإنكار فأخذوا بنجواهم
ومحاورتهم، ثم رجعوا بطريق الاعتذار والسفسطة إلى الناصح فشاغبوا وقالوا:"بيننا فرق لانقاس عليهم إذ هم فقراء مضطرون مجبورون فشدتهم فِي الديانة وتصوّفهم بالاضطرار. اما نحن فأهل عزة وجاه"فبحكم الغرور يحيلون الناصح على انصافه. وبحكم الخداع والحيلة يتكلمون بكلام ذي لسانين، أي أيها المرشد! لا تظننا سفهاء ولا نكون كالسفهاء فِي نظركم، بل نفعل كما يفعل المؤمنون الخلص. مع أن مرادهم باطناً: لا نكون كهؤلاء المؤمنين الفقراء؛ إذ لا اعتداد بهم فِي نظرنا. ففي هذا اللفظ رمز خفيّ إلى فسادهم وإفسادهم وغرورهم ونفاقهم ..