الأصل الْمُتَبَادَر ما لم توجد قرينة عَلَى خلافه مع أن من يراد به العهد يدخلون في الجنس
دخولًا أوليًّا فالعموم هُوَ الأصل عَلَى أن قرينة العهد ليست بقوية، وأَيْضًا إذا كان الْمُرَاد به
الرَّسُول عَلَيْهِ السَّلَامُ فتَحْصيل الإيمان المشابه لإيمانه عَلَيْهِ السَّلَامُ ليس مقدورًا لهم فَكَيْفَ
يؤمرون به والْقَوْل بأنهم مأمورون بالإيمان المشابه لأصل إيمانه عَلَيْهِ السَّلَامُ لا في الْقُوَّة
وزيادة الشدة مصحح لإرادة العهد لا دافع للمرجوحية.
قوله: (والْمُرَاد به الرَّسُول عَلَيْهِ السَّلَامُ ومن معه) والقرينة هي أنهم مقابلوهم بالإيمان
ومبغضون عندهم فهم لذلك حاضرون في الأذهان فيكونون معهودين بهذا الاعتبار فيشار
باللام إلَى أُولَئكَ المعلومين وأيده بعضهم بأنه المَأْثُور لأنه مروي عن ابْن عَبَّاسٍ رضي الله
تَعَالَى عنهما كما أخرجه ابن جرير، ولعل لهذا قدمه صاحب الكَشَّاف والْمُصَنّف حمل مثل هذا
على أمثلة الْمُرَاد بها، كَمَا صَرَّحَ به في قَوْله تَعَالَى: (ربنا آتنا في الدُّنْيَا حسنة)
الآية. فاختار العموم لما قلنا فما اختاره راجح واضح.
قوله: (أو مَن آمن من أهل جلْدتهم) بكسر الجيم وسكون اللام ثم دال مهملة وهو
من الحيوان ظَاهر بشرته، والْمُرَاد هنا قومهم وعشيرتهم وأهل ملتهم وقد ورد في الْحَديث
قوم من جلدتنا أي من أنفسا وعشيرتنا كما في نهاية ابن الأثير ويحتمل أن يكون هذا معنى
حقيقيًا له كما هُوَ الظَّاهر أو اسْتعَارَة بتشبيه العشيرة وأهل الملة بالجلد وظَاهر البدن لجعلهم
كجسد واحد في الاتصال وتألم الكل بتألم البعض قيل إن الأهل مقحم. وقيل إنه كـ لجين
الماء والأحسن أن الْإضَافَة بيانية، والْمُرَاد بأهل جلدتهم الْيَهُود لأن منافقي المدينة منهم كما
أشار الله بقوله كابن سلام الخ. فإن عند الله بن سلام وأشباهه حاضرون في أذهانهم ولا
يغيبون من خواطرهم لشدة غيظهم بسَبَب إيمانهم والشيء إذا كان مبغوضًا أشد بغض كان
حاضرًا في الأذهان دائمًا كما إذا كان الشيء محبوبًا أشد حب لا يغيب عن الخواطر جزمًا
فهم بهذا الاعتبار معلومون معهودون مذكورون تقديرًا فحسن أن يشار إليهم بلام العهد
الخارجي الذي شرطه أن يكون المشار إليه معلومًا للمخاطب بأي وجه كان.
قوله: ( [كابن] سلام وأصحابه) هُوَ عبد الله بن سلام بن حارث أبو يُوسُف من ذرية
يُوسُف عَلَيْهِ السَّلَامُ وقد تقدم بعض مناقبه في تفسير قَوْلُه تَعَالَى:(وَالَّذينَ يُؤْمنُونَ بمَا أُنْزلَ
إلَيْكَ وَمَا أُنْزلَ منْ قَبْلكَ)الآية.(والْمَعْنَى آمنوا إيمانًا مقرونًا بالْإخْلَاص
متمحضًا عن شوائب النفاق مماثلًا لإيمانهم)بصيغَة الأمر أراد به أن المأمور به الإيمان
المشابه لإيمانهم الإيمان المقرون بالْإخْلَاص لا في الكيفية والْقُوَّة وقد أشرنا إليه فيما مَرَّ.
* * * * * * * * * * [حَاشيَة ُابْن التَّمْجيد] * * * * * * * * * *
قوله: من أهل جلدتهم أي جملتهم. قال الْجَوْهَريُّ: أجلاد الرجل جسمه وبدنه وفي الْحَديث
لحمه لحمي ودمه دمي أي هُوَ مني ومن جملتي.
قوله: إيمانًا مقرونًا بالْإخْلَاص معنى الْإخْلَاص مُسْتَفَاد من حصر الجنس أعني جنس النَّاس
في بعض منه دلالة عَلَى كمال ذلك البعض في الْمَعْنَى المقصود من الْإنْسَانيَّة حيث طلب منهم
إيمان مماثل لإيمان هَؤُلَاء البعض المخلصين في إيمانهم.