وإما كلامٌ مستأنَفٌ سيق لتعديد شنائعِهم. وأما عطفهُ على يكذبون بمعنى ولهم عذاب أليم بكذبهم وبقولهم حين نهوا عن الإفساد إنما نحن مصلحون كما قيل ، فيأباه أن هذا النحْوَ من التعليل حقُه أن يكون بأوصافٍ ظاهرةِ العِلّية مُسلَّمةِ الثبوت للموصوف غنيةٍ عن البيان لشهرة الاتصافِ بها عند السامع أو لسبق ذكرِه صريحاً كما فِي قوله تعالى: {بِمَا كَانُواْ يَكْذِبُونَ} فإن مضمونه عبارةٌ عما حُكي عنهم من قولهم: {ءامنا بالله وباليوم الآخر وَمَا هم بمؤمنين} أو لذكر ما يستلزمه استلزاماً ظاهراً كما فِي قوله عز وجل: {إِنَّ الذين يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ الله لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدُ بِمَا نَسُواْ يَوْمَ الحساب} فإن ما ذكر من الضلال عن سبيل الله مما يوجب حتماً نسيان جانب الآخرة التي من جملتها يوم الحساب وما لم يكن كذلك فحقه أن يخبر بعليته قصداً كما فِي قوله تعالى: {ذلك بِأَنَّهُمْ قَالُواْ لَن تَمَسَّنَا النار} الآية ، وقوله: {ذلك بِأَنَّ الله نَزَّلَ الكتاب بالحق} الآية ، إلى غير ذلك ، ولا ريب فِي أن هذه الشرطيةَ وما بعدها من الشرطيتين المعطوفتين عليها ليس مضمونُ شيء منها معلومَ الانتساب إليهم عند السامعين بوجه من الوجوه المذكورة ، حتى تستحقَ الانتظامَ فِي سلك التعليل المذكور ، فإذن حقُها أن تكونَ مَسوقةً على سنن تعديدِ قبائحِهم على أحد الوجهين ، مفيدةً لاتصافهم بكل واحد من تلك الأوصاف قصداً واستقلالاً كيف لا وقوله عز وجل: {أَلا إِنَّهُمْ هُمُ المفسدون} ينادي بذلك نداءً جلياً ، فإنه ردٌ من جهته تعالى لدعواهم المحكية أبلغَ رد ، وأدلَّه على سَخَط عظيم حيث سُلك فيه مسلك الاستئنافِ المؤدي إلى زيادة تمكّنِ الحكم فِي ذهن السامع ، وصدرت الجملة بحرفي التأكيد (ألا) المنبّهة على تحقق ما بعدها ، فإن الهمزة الإنكارية الداخلةَ على النفي تفيد تحقيق الإثبات قطعاً كما فِي قوله تعالى: أَلَيْسَ الله