فإن الإنسان لا يختار الغباوة والخرق ولا يفعلهما فِي نفسه بنفسه ؟ فإذا تناهت التعليلات إلى أمور خلقها الله تعالى اضطراراً علمنا أن كل هذه الأمور بقضاء الله تعالى وليس يمكنك أن تسوي بين الشخصين اللذين أطاع أحدهما وعصى الآخر فِي كل حال أعني فِي العقل والجهل ، والفطانة والغباوة ، والحزم والخرق ، والمعلمين والباعثين والزاجرين ، ولا يمكنك أن تقول إنهما لو استويا فِي ذلك كله لما استويا فِي الطاعة والمعصية ، فإذن سبب الطاعة والمعصية من الأشخاص أمور وقعت بتخليق الله تعالى وقضائه ، وعند هذا يقال: أين من العدل والرحمة والكرم أن يخلق العاصي على ما خلقه الله عليه من الفظاظة والجسارة ، والغباوة والقساوة ، والطيش والخرق ، ثم يعاقبه عليه ، وهلا خلقه مثل ما خلق الطائع لبيباً حازماً عارفاً عالماً ، وأين من العدل أن يسخن قلبه ويقوي غضبه ويلهب دماغه ويكثر طيشه ولا يرزقه ما رزق غيره من مؤدب أديب ومعلم عالم وواعظ مبلغ ، بل يقيض له أضداد هؤلاء فِي أفعالهم وأخلاقهم فيتعلم منهم ثم يؤاخذه بما يؤاخذ به اللبيب الحازم ، والعاقل العالم ، البارد الرأس ، المعتدل مزاج القلب ، اللطيف الروح الذي رزقه مربياً شفيقاً ، ومعلماً كاملاً ؟ ما هذا من العدل والرحمة والكرم والرأفة فِي شيء فثبت بهذه الوجوه أن القول بالعقاب على خلاف قضايا العقول.