حال الحياة لمشقة التحرز منها - كما تقدم في الطهارة - وهذه العلة تنتفي بالموت، فتعود إلى أصلها، وهو النجاسة، فلا يطهر الدباغ جلدها.
والقول بأن الأحاديث عامة، وأنه يدخل في ذلك جميع أنواع الجلود قول قوي، لكن أظهر الأقوال وأقربها للصواب أن ذلك فيما يؤكل لحمه، وأن الورع يقتضي ترك ما سوى ذلك، عملاً بقول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «من اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه» (١) ، وقوله عليه الصلاة والسلام: «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك» (٢) .
واعتبار الدباغ طهوراً لجلد الميتة من رحمة الله تعالى بعباده، لينتفع به من يحتاج إليه من الفقراء وغيرهم، فقد تعرض الحاجة للاستفادة من جلد الميتة، فاستثناه الشرع من عموم تحريمها المنصوص عليه في القران.
ونأخذ من هذا أن الأحوط عدم لبس الفرا المصنوعة من جلود السباع، وهي موجودة في الأسواق بكثرة في هذا العصر، وإن كانت طاهرة على قول من يرى العموم، ويؤيد عدم لبسها حديث المقدام بن معديكرب أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم (نهى عن لبوس جلود السباع والركوب عليها) (٣) .
الوجه السادس: هذه الأحاديث الدالة على أن الدباغ يطهر جلد الميتة أصح من حديث عبد الله بن عُكيم قال: (أتانا كتاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: أن لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب) (٤) ، وهو دليل القائلين بأن الدباغ لا يطهر جلد الميتة، وهو المذهب عند الحنابلة (٥) ، وهذا الحديث أعله العلماء بالاضطراب في سنده، فإن ابن أبي ليلى راويه عن عبد الله بن عكيم تارة