الوجه الثاني: الحديث دليل على وجوب الغسل على من غَسّلَ ميتاً، وعموم لفظ الحديث يفيد عموم الأموات من كبير وصغير وذكر وأنثى، وقال بهذا بعض أهل العلم، وقد حكاه ابن القيم عن علي وأبي هريرة رضي الله عنهما، وقال: يروى عن ابن المسيب وابن سيرين والزهري (١) .
وذهب أكثر أهل العلم، ومنهم مالك وأحمد والشافعي إلى أن الغسل من غسل الميت مستحب وليس بواجب (٢) ، وذلك لأن الحديث لا ينهض على الإيجاب، لما تقدم من كلام العلماء فيه، وقد ذكر العلامة ابن مفلح الحنبلي قاعدة جيدة ومفادها: أن الحديث إذا كان فيه ضعف، وكان دالاًّ على الوجوب بصيغته، أو دالاًّ على التحريم، فإنه يحمل على الاستحباب في الأمر، وعلى الكراهة في النهي احتياطاً، ولا يُلزَم المسلمون بحكمه وجوباً أو تحريماً (٣) .
ويؤيد استحباب الغسل وعدم وجوبه ما رواه الدارقطني والخطيب من طريق عبد الله بن الإمام أحمد، قال: قال لي أبي: كتبت حديث عبيد الله عن نافع عن ابن عمر: (كنا نغسل الميت، فمنا من يغتسل، ومنا من لا يغتسل) ؟ قال: قلت: لا، قال: في ذلك الجانب شاب يقال له: محمد بن عبد الله المخرمي يحدث به عن أبي هشام المخزومي عن وهيب، فاكتب عنه) (٤) ، قال الحافظ: (هذا إسناد صحيح، وهو أحسن ما جمع به بين مختلف هذه الأحاديث، والله أعلم) (٥) .
وقال الشوكاني: (وهذا لا يقصر عن صرف الأمر عن معناه الحقيقي