الوجه الثالث: في الحديث دليل على أن النبي صلّى الله عليه وسلّم حرَّم المدينة وأنها حرم، وذلك بألا ينفَّر صيدها، ولا يقطع شجرها، وقد روى سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: «إني أحرم ما بين لابتي المدينة أن يقطع عِضَاهُها أو يقتل صيدها» (١) . والعِضَاهُ: كل شجر فيه شوك.
ولكن ليس في صيد المدينة جزاء على القول الراجح؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلّم لم يجعل فيه جزاء، وقد نقل القاضي عياض، ومن بعده النووي عن جماعة من الصحابة رضي الله عنهم وعن الشافعي في قوله القديم أن من صاد في حرم المدينة أو قطع شجرها أُخذ سلبه (٢) ـ وهو ما معه من ثياب وسلاح ودابة وغيرها ـ.
وقد ورد عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه: (أنَّهُ رَكِبَ إِلَى قَصرِهِ بِالعَقِيقِ، فَوَجَدَ عَبْداً يَقْطَعُ شَجَراً، أَو يَخْبِطُهُ، فَسَلَبَهُ، فَلَمَّا رَجَعَ سَعْدٌ جَاءَهُ أَهْلُ العَبْدِ فَكَلَّمُوهُ أَنْ يَرُدَّ عَلَى غُلامِهِمْ، أَو عَلَيْهِمْ مَا أَخَذَ مِنْ غُلامِهِمْ، فَقَالَ: مَعَاذَ اللهِ أَنْ أَرُدَّ شَيْئاً نَفَّلَنِيهِ رَسُولُ اللهِ صلّى الله عليه وسلّم. وَأَبَى أَنْ يَرُدَّ عَلَيهِمْ) (٣) .
وعن علي رضي الله عنه أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال في المدينة: «لا يختلى خلاها، ولا ينفّر صيدها، ولا تلتقط لقطتها إلا لمن أشاد بها، ولا يصلح لرجل أن يحمل فيها السلاح لقتال، ولا يصلح أن يقطع منها شجرة إلا أن يعلف رجل بعيره» (٤) .
الوجه الرابع: أن النبي صلّى الله عليه وسلّم دعا لأهل المدينة بالبركة وسعة الرزق، لقوله: «وإني دعوت في صاعها ومدها بمثليْ ما دعا إبراهيم لأهل مكة» ، وهذا لفظ مسلم.