فيها من الفوائد الزائدة على رواية «الصحيحين» ؛ لأنه في لفظ مسلم قال: «هِي رُخْصَةٌ مِنَ اللهِ … » ، ولفظ «الصحيحين» : «إِنْ شِئْتَ فَصُمْ، وَإِنْ شِئْتَ فَأَفْطِرْ» ، لكن قد يقال: إن الحديث واحد.
الوجه الثالث: في شرح ألفاظها:
قوله: (كراع الغميم) بضم الكاف، وفتح الراء المهملة، ثم ألف، آخره عين مهملة، هو الطرف من كل شيء، والمراد هنا: جبل أسود طويل على يسار الطريق، شبيه بالكراع.
والغميم: بفتح الغين، اسم وادٍ على طريق مكة إلى المدينة، يبعد عن مكة (٦٤) كيلاً، ويعرف عند أهل تلك الجهة ببرقاء الغميم، وهو وادي عُسفان، وينتهي مصبه في البحر الأحمر.
قوله: (على الصيام في السفر) لم يبين ما المراد بالصوم، إلا أنه ورد عند البخاري من حديث عائشة: (وكان كثير الصيام) ، فهذا قد يرجح أنه صوم التطوع، لكن قوله في رواية مسلم: «هي رخصة من الله» يفيد أن المراد صوم رمضان؛ لأن الرخصة إنما تطلق في مقابلة ما هو واجب، وقد جاء عند أبي داود بلفظ: «إِنِّي صاحب ظَهْرٍ أُعَالِجُهُ، أُسَافِرُ عَلَيْهِ وأَكْرِيهِ، وَإِنَّهُ صَادَفَنِي هَذَا الشَّهْرُ - يَعْنِي رَمَضَانَ - وَأَنَا أَجِدُ الْقُوَّةَ، وَأَنَا شَابٌّ … » الحديث (١) ، وعلى هذا ففائدة قوله: (وكان كثير الصيام) بيان قوته على الصوم، وأن الصوم يسير في السفر عليه.
قوله: (فصم … فأفطر) أمر للإباحة.
الوجه الرابع: في هذه الأحاديث دليل على أن المسافر له أن يصوم، وله أن يفطر، وهذا مذهب الجمهور من أهل العلم، واستدلوا - أيضاً - بحديث أنس رضي الله عنه قال: (كنا في سفر مع النبي صلّى الله عليه وسلّم فلم يعب الصائم على المفطر ولا المفطر على الصائم) (٢) .