استدل بقوله تعالى إِنَّها بَقَرَةٌ لا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لا شِيَةَ فِيها على صحة بيع السلم في الحيوان إذ إن الآية حصرت صفات البقرة حتى تعينت أو تم تقييدها بعد الإطلاق، وهو مذهب مالك، والأوزاعي، والليث، والشافعي، وأحمد، وجمهور العلماء، وقال أبو حنيفة، والثوري، والكوفيون، لا يصح السلم في الحيوان لأنه لا تنضبط أحواله، وحكي مثله عن ابن مسعود وحذيفة بن اليمان، وعبد الرحمن بن سمرة؛ وغيرهم ونحن نرجح التوسيع في باب السلم؛ على اعتبار أن السلم أحد الحلول التي وضعها الإسلام في وجه الربا، وهو البديل الأقوى كما سنرى، ولكن على أن يراعى في حالة الفتوى شروط الأئمة المجيزين حتى لا نقع في مخالفة لإجماع.
فصل في القتيل إذا وجد في محلة قوم:
بمناسبة حادثة القتيل الذي أحياه الله بضربه ببعض البقرة، يثير المفسرون مجموعة مسائل: مسألة ما إذا قال القتيل دمي عند فلان ثم مات، ومسألة ما إذا وجد قتيل في مكان ولا يعرف له قاتل وما ثم شهود، أو كان شهود لكنهم نساء، أو كان شاهد واحد، وإنما بحثوا هذه المسائل هنا تفريعا على أن شرع من قبلنا شرع لنا ما لم ينسخه شرعنا وهو مذهب جماهير العلماء.
يعتبر مالك أن قول القتيل: قتلني فلان أو دمي عند فلان، أمارة كافية للحكم على المذكور، ومنع ذلك عامة الفقهاء؛ لاحتمال الخطأ والكذب، وعامة الفقهاء أوجبوا القسامة إذا وجد قتيل في محلة وفيه أثر القتل، والقسامة: أن يحلف خمسون يمينا أنهم ما قتلوا ولا يعرفون له قاتلا، ولا يحلف في القسامة أقل من خمسين يمينا، فإن كانوا أقل من ذلك، أو نكل منهم من لا يجوز عفوه، ردت الأيمان عليهم بحسب عددهم، وهناك خلاف في كيفية الحكم بها: إذ ترى طائفة أن يبدأ فيها المدعون بالأيمان فإن حلفوا استحقوا وإن نكلوا حلف المدعى عليهم خمسين يمينا وبرءوا، وذهبت طائفة إلى أنه يبدأ بالأيمان المدعى عليهم فيحلفون ويبرءون، وهل يكون بالقسامة القصاص أو الدية؟ الراجح أن يكون فيها الدية ولا قصاص.