جاءت هذه المقولة في سياق عرض أمهات من القضايا الرئيسية عند أهل الكتاب، أو الكافرين عامة؛ لتعميق فكرة عدم التلقي عنهم، والاقتداء بهم كيف وهذا شأنهم في الضلال والكفر وإيذاء الله تعالى. والملاحظ أنه في سياق المقطع الذي هو خطاب لبني إسرائيل تذكر مقولات لهم، أو لغيرهم، أو لهم ولغيرهم، مما يشير إلى أن السياق يريد أن يوصل في قلوب هذه الأمة موقفا من الكفر عامة. فالمقطع في الأصل آت في سياق عرض نموذج على موقف من هدى أنزل على أمة من قبل. ثم تأتي بعد ذلك مقولة أخرى.
5 -وَقالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ لَوْلا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينا آيَةٌ كَذلِكَ قالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشابَهَتْ قُلُوبُهُمْ قَدْ بَيَّنَّا الْآياتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ.
يرجح ابن كثير أن القائلين هم كفار العرب. ويرجح هذا الاتجاه ذكر الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ فيما مضى على أنهم غير اليهود والنصارى ممن لا وحي سماويا عندهم. ونحن نرجح أنه يدخل في كلمة الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ هنا كل من يسأل هذه الأسئلة، سواء كان ملحدا، أو مشركا، أو كتابيا في الأصل، فإنه بسؤاله مثل هذه الأسئلة دخل في سلك الذين لا يعلمون. إن هذه الطبقة الجاهلة من الناس تعلق الإيمان على تكليم الله إياها، أو على مجيء الآيات هذا مع أن الآيات الكافية للإيمان موجودة ولكنه التعنت.
إن هذا النوع من المطالب المتعنتة ليس جديدا على منطق الكفر بل هو طريق الكفار في كل عصر. لذلك قال تعالى: كَذلِكَ قالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشابَهَتْ قُلُوبُهُمْ. وقد ناقشنا هذا الموضوع في أول كتابنا (الله جل جلاله) وبينا في ذلك الكتاب أن هذا الطلب غير علمي وغير عقلي. وقد رد الله عزّ وجل على هؤلاء هنا بقوله: قَدْ بَيَّنَّا الْآياتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ فالآيات موجودة وهي كافية لأهل اليقين بوجود الله. وذكر كلمة يُوقِنُونَ هنا يشعر بأن طلاب هذه المطالب طالبوا بها من أجل الإيمان برسول الله، فكأنهم قالوا فليكلمنا الله شاهدا أنك رسوله، أو فلتأتنا آية تدلنا على ذلك. فكان الجواب أن الآيات قد جاءت واضحة لمن كان عنده يقين بالله.