وقرأ الحسن، والأعمش:"تَسْتَكْثِرَ"، بالنصب، على إضمار: أن. وقرأ ابن مسعود رضي الله عنه:"أَنْ تَسْتَكْثِرَ"، بإظهار: أن. فالمنُّ بمعنى الإعطاء، والكلام على إرادة التعليل. أي: ولا تعطِ لأجل أن تستكثر. أي: تطلب الكثير ممن تعطيه. وعلى هذا المعنى قول ابن عباس رضي الله عنهما:"لا تعطِ مستكثرًا". أي: طالبًا للكثير ممن تعطيه. فهو نهي عن الاستغزار؛ وهو أن يهب شيئًا، وهو يطمع أن يتعوَّض من الموهوب له أكثر مما وهب له.
قال الفرَّاء في معاني القرآن معقبًا على قراءة ابن مسعود:"فهذا شاهد على الرفع في"تَسْتَكْثِرُ". ولو جزم جازم على هذا المعنى، كان صوابًا".
والجزم قراءة الحسن - أيضًا - وابن أبي عبلة. وخرِّجت قراءتهما؛ إما للوقف. أو الإبدال من"تَمْنُنْ"؛ كأنه قيل: ولا تمنُنْ، لا تستكثرْ، على أنه من المنِّ، الذي في قوله تعالى:
"ثُمَّ لاَ يُتْبِعُونَ مَا أَنفَقُواُ مَنّاً وَلاَ أَذًى" (البقرة: 262)
لأن من يمُنُّ بما يعطي، يستكثره، ويعتد به.
خامسًا - وأما توجيهه - عليه الصلاة والسلام - إلى الصبر لربه فهو المراد بقوله تعالى:"وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ" (المدثر: 7)
أي: اصبر لربك على أذى المشركين. والأحسن حمله على العموم، فيفيد الصبر على كل مصبور عليه، ومصبور عنه. ويدخل فيه الصبر على أذى المشركين؛ لأنه فرد من أفراد العام، لا لأنه وحده هو المراد.
والصبر بمفهومه العام هو الوصية، التي تتكرر عند كل تكليف بهذه الدعوة، أو تثبيت، وهو الزاد الأصيل في هذه المعركة الشاقة، معركة الدعوة إلى الله تعالى، وهي معركة طويلة عنيفة، لا زاد لها إلا الصبر، الذي يُقصَدُ فيه وجه الله جل وعلا، ويُتَّجَهُ به إليه احتسابًا عنده وحده.
وعن ابن عباس رضي الله عنهما: الصبر في القرآن على ثلاثة أوجه: صبر على أداء الفرائض وله ثلاثمائة درجة، وصبر عن محارم الله تعالى وله ستمائة درجة، وصبر على المصائب عند الصدمة الأولى وله تسعمائة درجة.
وذلك لشدته على النفس، وعدم التمكن منه، إلا بمزيد اليقين؛ ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم:"أسألك من اليقين ما تهون به عليَّ مصائب الدنيا".