قَارَبَتْ مَعَانِيَهَا وَاشْتَمَلَتْ عَلَى عَامَّتِهَا، لَجَازَ أَنْ يَقْرَأَ فِي مَوْضِعِ (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ) [الفاتحة: 2] : الشُّكْرُ لِلْبَارِي مَلِكِ الْمَخْلُوقِينَ، وَيَتَّسِعُ الْأَمْرُ فِي هَذَا حَتَّى يُبْطِلَ لَفْظَ جَمِيعِ الْقُرْآنِ، وَيَكُونُ التَّالِي لَهُ مُفْتَرِيًا عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، كاذبا على رسوله صلى
اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا حُجَّةَ لَهُمْ فِي قَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ: نَزَلَ الْقُرْآنُ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ، إِنَّمَا هُوَ كَقَوْلِ أَحَدِكُمْ: هَلُمَّ وَتَعَالَ وَأَقْبِلْ، لِأَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ يُوجِبُ أَنَّ الْقِرَاءَاتِ الْمَأْثُورَةَ الْمَنْقُولَةَ بِالْأَسَانِيدِ الصِّحَاحِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا اخْتَلَفَتْ أَلْفَاظُهَا، وَاتَّفَقَتْ مَعَانِيهَا، كَانَ ذَلِكَ فِيهَا بِمَنْزِلَةِ الْخِلَافِ فِي هَلُمَّ، وَتَعَالَ، وَأَقْبِلْ، فَأَمَّا مَا لَمْ يَقْرَأْ بِهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابُهُ وَتَابِعُوهُمْ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، فَإِنَّهُ مَنْ أَوْرَدَ حَرْفًا مِنْهُ فِي الْقُرْآنِ بُهِتَ وَمَالَ وَخَرَجَ مِنْ مَذْهَبِ الصَّوَابِ.
قَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَالْحَدِيثُ الَّذِي جَعَلُوهُ قَاعِدَتَهُمْ فِي هَذِهِ الضَّلَالَةِ حَدِيثٌ لَا يَصِحُّ عَنْ أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، لِأَنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى رِوَايَةِ الْأَعْمَشِ عَنْ أَنَسٍ، فَهُوَ مَقْطُوعٌ لَيْسَ بِمُتَّصِلٍ فَيُؤْخَذُ بِهِ، مِنْ قِبَلِ أَنَّ الْأَعْمَشَ رَأَى أَنَسًا وَلَمْ يَسْمَعْ مِنْهُ.
(وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا(8)
التَّبَتُّلُ: الِانْقِطَاعُ إِلَى عِبَادَةِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، أَيِ انْقَطِعْ بِعِبَادَتِكَ إِلَيْهِ، وَلَا تُشْرِكْ بِهِ غَيْرَهُ.
يُقَالُ: بَتَلْتُ الشَّيْءَ أَيْ قَطَعْتُهُ، وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ.
طَلَّقَهَا بَتَّةً بَتْلَةً، وَهَذِهِ صَدَقَةٌ بَتَّةٌ بَتْلَةٌ، أَيْ بَائِنَةٌ مُنْقَطِعَةٌ عَنْ صَاحِبِهَا،، أَيْ قُطِعَ مِلْكُهُ عَنْهَا بِالْكُلِّيَّةِ، وَمِنْهُ مَرْيَمُ الْبَتُولُ لِانْقِطَاعِهَا إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَيُقَالُ لِلرَّاهِبِ مُتَبَتِّلٌ، لِانْقِطَاعِهِ عَنِ النَّاسِ، وَانْفِرَادِهِ بِالْعِبَادَةِ، قَالَ: