وجملة قوله: {و} قد {أَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ} ؛ أي: بما عند الرصد أو بما عند الرسل، حال من فاعل {يَسْلُكُ} بإضمار قد أو بدونه على الخلاف المشهور في محله، جيء بها لتحقيق استغنائه تعالى؛ أي: وقد أحاط بما لديهم من الأحوال جميعًا. وقوله: {وَأَحْصَى} معطوف على أحاط؛ أي: وعلم علمًا بالغًا إلى حدّ الإحصاء تفصيلًا. {كُلَّ شَيْءٍ} مما كان وما سيكون {عَدَدًا} ؛ أي: فردًا فردًا، فكيف لا يحيط بما لديهم؟ قال القاسم: هو أوجدها فأحصاها عددًا، وقال ابن عباس رضي الله عنهما: أحصى ما خلق وعرف عدد ما خلق لم يفته علم شيء حتى مثاقيل الذرّ والخردل. وقوله: {عَدَدًا} تمييز محوّل عن المفعول به كقوله: {وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا} . والأصل: أحصى عدد كل شيء، وفائدته بيان أن علمه تعالى بالأشياء ليس على وجه كلّيّ إجمالي، بل على وجه جزئيّ تفصيليّ، فإن الإحصاء قد يراد به الإحاطة الإجمالية كقوله تعالى: {وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا} ؛ أي: لا تقدروا على حصرها إجمالًا فضلًا عن التفصيل؛ وذلك لأن أصل الإحصاء، أنَّ الحاسب إذا بلغ عقدًا معيّنًا من عقود الأعداد كالعشرة والمائة والألف وضع حصاة ليحفظ بها كمية ذلك العقد فيبني على ذلك حسابه.
وهذه الآية مما يستدلّ به على أن المعدوم ليس بشيء، لأنّه لو كان شيئًا .. لكانت الأشياء غير متناهية، وكونه أحصى عددها يقتضي كونها متناهيةً؛ لأن إحصاء العدد إنما يكون في المتناهي، فيلزم الجمع بين كونها متناهية وغير متناهية، وذلك محال، فوجب القطع بأن المعدوم ليس بشيء حتى يندفع هذا التناقض والتنافي، كذا في"حواشي"ابن الشيخ رحمه الله.
والمعنى: أي وهو سبحانه قد أحاط علمًا بما عند الرصد من الملائكة، وأحصى ما كان، وما سيكون فردًا فردًا، فهو عالم بجميع الأشياء منفرد بذلك على أتمّ وجه، فلا يشاركه في ذلك الملائكة الذين هم وسائط العلم.
والخلاصة: أنّ الرسول المرتضى يعلِّمه بوساطة الملائكة بعض الغيوب مما له تعلق برسالته، وهو سبحانه محيط علما بجميع أحوال أولئك الوسائط، وعالم بجميع الأشياء على وجه تفصيلي، فأين علم الوسائط من علمه تعالى؟