قال القرطبي: والأوّل أحسن لأنه كان في الجنّ من آمن بموسى وعيسى ، وقد أخبر الله تعالى عنهم أنهم قالوا: {إنا سمعنا كتاباً أنزل من بعد موسى مصدقاً لما بين يديه} وهذا يدل على إيمان قوم منهم بالتوراة.
تنبيه: القدد جمع قدة والمراد بها الطريقة وأصلها السيرة ، يقال: قدة فلان حسنة ، أي: سيرته وهو من قدّ السير ، أي: قطعه ، فاستعير للسيرة المعتدلة. قال الشاعر:
*القابض الباسط الهادي بطلعته ** في فتنة الناس إذ أهواؤهم قدد*
وقال لبيد يرثي أخاه:
*لم تبلغ العين كل نهمتها ** يوم تمشي الجياد بالقدد*
والقد بالكسر سير يقد من جلد غير مدبوغ ، ويقال: ما له قد ولا قحف ، فالقد إناء من جلد والقحف إناء من خشب.
{وأنا ظننا أن لن نعجز الله} أي: وإنا علمنا وتيقنا بالتفكر والاستدلال في آيات الله أنا في قبضة الملك وسلطانه لن نفوته بهرب ولا غيره لما له من الإحاطة بكل شيء علماً وقدرة لأنه واحد لا مثل له.
تنبيه: أطلقوا الظنّ على العلم إشارة إلى أنّ العاقل ينبغي له أن يتجنب ما يتخيله ضاراً ولو بأدنى أنواع التخيل ، فكيف إذا تيقن. وقولهم {في الأرض} حال ، وكذلك هرباً في قولهم {ولن نعجزه} أي: بوجه من الوجوه {هرباً} فإنه مصدر في موضع الحال تقديره لا نفوته كائنين في الأرض أو هاربين منها إلى السماء ، فليس لنا مهرب إلا في قبضته فأين أم إلى أين المهرب.