أجيب: بأنَّ الله تعالى ينسيهم ذلك حتى تعظم المحنة. قال القرطبي: والرصد قيل من الملائكة أي ورصداً من الملائكة ، والرصد الحافظ للشيء والجمع أرصاد ، وقيل: الرصد هو الشهاب ، أي: شهاب قد أرصد له ليرجم به فهو فعل بمعنى مفعول.
واختلف فيمن قال {وأنا لا ندري} أي: بوجه من الوجوه {أشر أريد} أي: بعدم استراق السمع {بمن في الأرض أم أراد بهم ربهم} أي: المحسن إليهم المدبر لهم {رشداً} أي: خيراً فقال ابن زيد: معنى الآية أن إبليس قال: لا ندري هل أراد الله بهذا المنع أن ينزل على أهل الأرض عقاباً أو يرسل إليهم رسولاً. وقيل: هو من قول الجنّ فيما بينهم قبل أن يستمعوا قراءة النبيّ صلى الله عليه وسلم أي: لا ندري أشر أريد بمن في الأرض بإرسال محمد صلى الله عليه وسلم إليهم ، فإنهم يكذبونه ويهلكون بتكذيبه كما هلك من كذَّب من الأمم ، أم أراد أن يؤمنوا فيهتدوا فالشر والرشد على هذا الكفر والإيمان ، وعلى هذا كان عندهم علم بمبعث النبي صلى الله عليه وسلم ولما سمعوا قراءته علموا أنهم منعوا من السماء حراسة للوحي. وقيل: قالوا لقومهم بعد أن انصرفوا إليهم منذرين أي: لما آمنوا أشفقوا أن لا يؤمن كثير من أهل الأرض ، فقالوا: إنا لا ندري أيكفر أهل الأرض بما آمنا به أم يؤمنون.
قال الجنّ {وأنا منا الصالحون} أي: العريقون في صفة الصلاح ، قال الجلال المحلي بعد استماع القرآن {ومنا دون ذلك} أي: قوم غير صالحين {كنا} أي: كوناً هو كالجبلة {طرائق قدداً} أي: جماعات متفرّقين وأصنافاً مختلفة ، قال سعيد بن المسيب: معنى الآية كنا مسلمين ويهوداً ونصارى ومجوساً ، وقال الحسن والسدّي: الجنّ أمثالكم فمنهم قدرية ومرجئة ورافضة وخوارج وشيعة وسنية. وقال ابن كيسان: شيعاً وفرقاً لكل فرقة هوى كأهواء الناس. وقال سعيد بن جبير: ألواناً شتى. وقال أبو عبيدة: أصنافاً وقيل: منا الصالحون ومنا المؤمنون ، لم يتناهوا في الصلاح.