ومن ثم يبدو الإيمان بالله مسألة ضخمة في حياة الإنسان . لا كلمة تقال باللسان , ولا شعائر تعبدية تقام . إنه حالة نفس ومنهج حياة , وتصور كامل للقيم والأحداث والأحوال . وحين يصبح القلب خاويا من هذا المقوم فإنه يتأرجح ويهتز وتتناوبه الرياح كالريشة ! ويبيت في قلق وخوف دائم , سواء أصابه الشر فجزع , أم أصابه الخير فمنع . فأما حين يعمره الإيمان فهو منه في طمأنينة وعافية , لأنه متصل بمصدر الأحداث ومدبر الأحوال ; مطمئن إلى قدره شاعر برحمته , مقدر لابتلائه , متطلع دائما إلى فرجه من الضيق , ويسره من العسر . متجه إليه بالخير , عالم أنه ينفق مما رزقه , وأنه مجزي على ما أنفق في سبيله , معوض عنه في الدنيا والآخرة . . فالإيمان كسب في الدنيا يتحقق قبل جزاء الآخرة , يتحقق بالراحة والطمأنينة والثبات والاستقرار طوال رحلة الحياة الدنيا .
وصفة المؤمنين المستثنين من الهلع , تلك السمة العامة للإنسان , يفصلها السياق هنا ويحددها:
(إلا المصلين . الذين هم على صلاتهم دائمون) . .
والصلاة فوق أنها ركن الإسلام وعلامة الإيمان , هي وسيلة الاتصال بالله والاستمداد من ذلك الرصيد . ومظهر العبودية الخالصة التي يتجرد فيها مقام الربوبية ومقام العبودية في صورة معينة . وصفة الدوام التي يخصصها بها هنا: (الذين هم على صلاتهم دائمون) . . تعطي صورة الاستقرار والاستطراد , فهي صلاة لا يقطعها الترك والإهمال والكسل وهي صلة بالله مستمرة غير منقطعة . . وقد كان رسول الله (صلى الله عليه وسلم) إذا عمل شيئا من العبادة أثبته - أي داوم عليه - وكان يقول:"وإن أحب الأعمال إلى الله تعالى ما دام وإن قل". . لملاحظة صفة الاطمئنان والاستقرار والثبات على الاتصال بالله , كما ينبغي من الاحترام لهذا الاتصال . فليس هو لعبة توصل أو تقطع , حسب المزاج !
(والذين في أموالهم حق معلوم للسائل والمحروم) . .