عن العذاب المؤبد والشقاء المخلد، وإنَّمَا الخلاف في قبول توبته قضاء إذا تاب الزنديق عن
زندقته فتوبته مقبولة عند الله تَعَالَى بلا خلاف، وإنما الخلاف في قبولها في ظَاهر الشرع
وأحكام الدُّنْيَا حتى ذهبت الأئمة الْحَنَفيَّة إلَى أنه تقبل توبته بعد الظفر به بل يقتل وإن تاب
كذا قيل. ويخدشه ما في بعض حواشي الدرر ولا تقبل توبة ساب النَّبيّ عَلَيْهِ السَّلَامُ سواء
جاء تائبًا من قبل نفسه أو شهد عليه بذلك بخلاف غيره من المكفرات فإن الإنكار فيها توبة
انتهى. والمُسْتَفَاد أن جميع الكفريات ما سوى السب الْمَذْكُور يقبل توبته ولا يقتل لأن قتله
لارتداده وكفره، كَمَا صَرَّحَ به علماؤنا فإذا تاب عن كفره لا يقتل بخلاف السب الْمَذْكُور فإن
قتل الساب حد له لتعلقه حق العبد كحد القذف فلا يسقط بالتَّوْبَة إذا عرفت ما فعلناه لك
فاعلم أنه إن كان مراد الْمُصَنّف بالزنديق المنافق أو قسم من المنافق فأمر الاستدلال تام
والإبل يراد به الزنديق بالْمَعْنَى المفسر في صرة الفتاوى فلا مساس له في هذا المقام راجح
عند العلماء الأعلام.
قوله: (وأن الإقرار باللسان) أي بدون الإذعان (إيمان) أي يطلق عليه لفظ الإيمان
عند أهل اللسان اللغة لقيام دليل يطلق أي الإذعان القلبي فإن أمارة الخفية كافية في صحة
إطلاق اللَّفْظ عَلَى سبيل الْحَقيقَة كالغضبان والفرحان الإيمان الغضبان عَلَى سبيل الْحَقيقَة
على من يظهر علامة الغضب وكَذَلكَ يطلق لفظ الْمُؤْمن عَلَى سبيل الْحَقيقَة عَلَى من يظهر
أمارة الإيمان كالإقرار باللسان فإنه أمارة عَلَى وجود التصديق الذي هُوَ الإيمان المنجي لا
لكونه إيمانًا حَقيقَة في النوع بل لدلالته عَلَى أمر مبطن أقيم مظهره مقامه وأن دلالة الإقرار
على التصديق لما كان لفظيًا جار تخلف المدلول عنه فهذا الإقرار إذا تحقن في الْمُنَافقينَ
مع تخلف المدلول عنه أمر الشارع إياهم بالإيمان المقرون بالْإخْلَاص (وإلا لم يفد التَّقْييد)
أي وإن لم يكن الإقرار إيمانًا أمرهم الشارع بالإيمان ولم يقيده بقوله: (كما آمن النَّاس)
* * * * * * * * * * [حَاشيَة ُابْن التَّمْجيد] * * * * * * * * * *
قوله: وأن الإقرار باللسان إيمان وجه دلالة الآية. عَلَى ذلك أن تَقْييد الإيمان المأمور به بـ آمنوا
بكونه إيمانًا مماثلًا لإيمان الخلص وهو الإقرار المطابق لما في القلب يرشدك إلَى أن الإيمان
فسمان ثم هُوَ مجرد إقرار باللسان عن مواطأة القلب وقسم آخر هُوَ إقرار مطابق له فقُيد بهذا
القيد للدلالة عَلَى أن المطلوب بالتكليف هُوَ هذا دون الآخر ولو لم يكن مجرد الإقرار بالشهادتين
إيمانًا يكون التَّقْييد بهذا القيد مستدركًا لاندراج مضمون القيد حِينَئِذٍ في مطلق الإيمان المدلول عليه
بـ آمنوا؛ إذ معنى آمنوا عَلَى هذا أحدثوا ما هُوَ إيمان وهذا يغني عن ذلك التَّقْييد.