على أن فِي أذهان كثير من الكفار إذا ذاك توقع ما يغني عن القتال من وقوع مكروه بالمؤمنين {ويأبى الله إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ} [التوبة: 2 3] ، ولا يخفى ما فِي هذا الوجه من التكلف، والمراد من الأرض جنسها أو المدينة المنورة، والحمل على جميع الأرض ليس بشيء إذ تعريف المفرد يفيد استيعاب الأفراد لا الأجزاء، اللهم إلا أن يعتبر كل بقعة أرضاً، لكن يبقى أنه لا معنى للحمل على الاستغراق باعتبار تحقق الحكم فِي فرد واحد وليس ذكر الأرض لمجرد التأكيد بل فِي ذلك تنبيه على أن الفساد واقع فِي دار مملوكة لمنعم أسكنكم بها وخولكم بنعمها:
وأقبح خلق الله من بات عاصيا ...
لمن بات فِي نعمائه يتقلب
وإنما للحصر كما جرى عليه بعض النحويين وأهل الأصول، واختار فِي"البحر"أن الحصر يفهم من السياق ولم تدل عليه وضعاً، وجعل القول بكونها مركبة من (ما) النافية دخل عليها (أن) التي للإثبات فأفادت الحصر قولاً ركيكاً صادر عن غير عارف بالنحو.
ومعنى {إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ} مقصورون على الإصلاح المحض الذي لم يشبه شيء من وجوه الفساد وقد بلغ فِي الوضوح بحيث لا ينبغي أن يرتاب فيه، والقصر إما قصر إفراد أو قلب وهذا إما ناشئ عن جهل مركب فاعتقدوا الفساد صلاحاً فأصروا واستكبروا استكباراً:
يقضي على المرء فِي أيام محنته ...
حتى يرى حسناً ما ليس بالحسن
وإما جار على عادتهم فِي الكذب وقولهم بأفواههم ما ليس فِي قلوبهم، وقرأ هشام والكسائي {قِيلَ} بإشمام الضم ليكون دالاً على الواو المنقلبة، وقول: بإخلاص الضم وسكون الواو لغة لهذيل ولم يقرأ بها. انتهى انتهى. {روح المعاني حـ 1 صـ 152 - 153}