وقال آخر فِي مثله:
لا تُنكِرِ القتلَ وقد سُبينَا... في حَلْقِكم عَظْمٌ وقد شجينا
يريد فِي حلوقكم؛ ومثله قول الآخر:
كأنّه وجهُ تُرْكِيّيْن قد غضبا... مستهدف لطعان غير تذبيب
وإنما يريد وجهين، فقال وجه تركيين؛ لأنه قد علم أنه لا يكون للاثنين وجه واحد؛ ومثله كثير جداً.
وقرئ:"وعلى أسماعهم"ويحتمل أن يكون المعنى وعلى مواضع سمعهم؛ لأن السمع لا يختم وإنما يختم موضع السمع، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه. انتهى انتهى. {تفسير القرطبي حـ 1 صـ 190}
وإنما أفرد السمع ولم يجمع كما جمع (قلوبهم) و (أبصارهم) إما لأنه أريد منه المصدر الدال على الجنس، إذ لا يطلق على الآذان سمع ألا ترى أنه جمع لما ذكر الآذان فِي قوله: {يجعلون أصابعهم فِي أذانهم} [البقرة: 19] وقوله: {وفي آذاننا وقر} [فصلت: 5] فلما عبر بالسمع أفرد لأنه مصدر بخلاف القلوب والأبصار فإن القلوب متعددة والأبصار جمع بصر الذي هو اسم لا مصدر، وإما لتقدير محذوف أي وعلى حواس سمعهم أو جوارح سمعهم.
وقد تكون فِي إفراد السمع لطيفة روعيت من جملة بلاغة القرآن هي أن القلوب كانت متفاوتة واشتغالها بالتفكر فِي أمر الإيمان والدين مختلف باختلاف وضوح الأدلة، وبالكثرة والقلة وتتلقى أنواعاً كثيرة من الآيات فلكل عقل حظه من الإدراك، وكانت الأبصار أيضاً متفاوتة التعلق بالمرئيات التي فيها دلائل الوحدانية فِي الآفاق، وفي الأنفس التي فيها دلالة، فلكل بصر حظه من الالتفات إلى الآيات المعجزات والعبر والمواعظ، فلما اختلفت أنواع ما تتعلقان به جمعت.
وأما الأسماع فإنما كانت تتعلق بسماع ما يُلقى إليها من القرآن فالجماعات إذا سمعوا القرآن سمعوه سماعاً متساوياً وإنما يتفاوتون فِي تدبره والتدبر من عمل العقول فلما اتحد تعلقها بالمسموعات جعلت سمعاً واحداً.