ولابن فارس التفات عجيب إلى السنور، وقد سجل في غير هذا الموضع من شعره أنه كان يصطفي لنفسه هرة تلازمه، وتنفي عنه هموم قلبه ووساوس النفس:
وقالوا كيف أنت فقلت خيرٌ
تُقَضَّى حاجةٌ وتفوت حاجُ
إذا ازدحمت همومُ القلب قلنا
عَسى يومًا يكون لها انفراجُ
نديمي هِرّتي وسرور قلبي
دفاترُ لي ومعشوقي السراج (1)
مقدمة الناشر
وهو بصير ذو خبرة بطبائع الناس، واستئسارهم للمال، وخضوعهم له:
إذا كنت في حاجة مرسِلا
وأنت بها كَلِفٌ مغرمُ
فأَرسِلْ حكيمًا ولا توصِهِ
وذاك الحكيم هو الدرهم (2)
ويقول:
عتبتُ عليه حين ساء صنيعه
وآليت لا أمسيتُ طَوع يديهِ
فلما خَبَرت الناس خُبر مجرِّب
ولم أر خيرًا منه عدت إليه (3)
ويقول أيضًا:
يا ليت لي ألف دينارٍ موجَّهةً
وأن حظيَ منها حظُّ فَلاّسِ (4)
قالوا فما لَكَ منها، قلت تخدمُني
لها ومنَ اجلها الحمقى من الناس (5)
ويستعمل التهكم في أمور أخرى إذ يقول لمن يتكاسل في طِلابِ العلم:
إذا كان يؤذيك حر المصيف
ويُبْس الخريف وبردُ الشتا
ويلهيك حُسنُ زمان الربيع
فأخذك للعلم قل لي متى (6)
ولمن يقدّر لأمر الدُّنيا، ويَجْري القضاءُ بخلاف ما قدَّر:
تَلَبَّسْ لباسَ الرضا بالقضا
وخلِّ الأمورَ لمن يَملِكُ
ابن فارس الأديب
تقدِّرُ أنت وجارِي القضا
ءِ مما تقدِّرُه يَضحكُ (7)
وروى له الثعالبي في خاص الخاص ص153:
اسمع مقالة ناصح
جَمَعَ النصيحة والمقهْ
إياك واحذر أن تكو
ن من الثقات على ثقهْ
(1) يتيمة الدهر، ودمية القصر، ونزعة الألباء، والمنتظم، وياقوت، وابن خلكان، واليافعي، وابن العماد.
(2) الثعالبي، وياقوت، وابن خلكان، واليافعي، وابن العماد
(3) الثعالبي، وياقوت.
(4) الفلاس: بائع الفلوس.
(5) الثعالبي، وياقوت.
(6) الثعالبي، وياقوت، والقفطي.
(7) الثعالبي، وياقوت.