رِ فكيف أمرُك قلتُ فاترْ
فكيف تقول لهذا، ومن أي وجه تأتي فتظلمه، وبأي شيء تعانده فتدفعه عن الإيجاز، والدلالة على المراد بأقصر لفظٍ وأوجز كلام. وأنت الذي أنشدتني:
سَدَّ الطريقَ على الزما
نِ وقام في وجه القطوب
كما أنشدتَني لبعض شعراء الموصل:
فدَيتك ما شبت عن كُبرةٍ
وهذي سِنِيَّ وهذا الحسابُ
ولكن هُجِرتُ فحَلَّ المشيبُ
ولو قد وُصِلتُ لعاد الشبابُ
فلِمَ لم تخاصم هذين الرجلين في مزاحمتها فحولة الشعراء وشياطين الإنس، ومَرَدة العالَم في الشعر. وأنشدني أبو عبد الله المغلسي المراغي لنفسه:
ابن فارس الأديب
غداةَ تولت عِيسُهم فترحلوا
بكيت على ترحالهم فعميتُ
فلا مقلتي أدّت حقوقَ وِدادهم
ولا أنا عن عيني بذاك رضيتُ
وأنشدني أحمد بن بندار لهذا الذي قدمت ذكره، وهو اليوم حي يرزق:
زارني في الدُّجى فنمَّ عليه
طيبُ أردانِه لدى الرقباءِ
والثريا كأنها كفُّ خَودٍ
أُبرِزَت من غِلالةٍ زرقاءِ
وسمعت أبا الحسين السروجي يقول: كان عندنا طبيب يسمى النعمان، ويكنى أبا المنذر، فقال فيه صديقٌ لي:
أقول لنعمانٍ وقد ساق طبُّه
نفوسًا نفيساتٍ إلى باطن الأرضِ
أبا منذر أفنيتَ فاستبقِ بعضَنا
حنانيك بعضُ الشرِّ أهون من بعض (1)
وهذا الفصل الذي أورده الثعالبي من رسالة ابن فارس، إلى ما رواه ياقوت في إرشاد الأريب (2) من مساجلة أدبية بين ابن فارس وعبد الصمد بن بابك الشاعر المعروف، يظهرنا على مدى اتصال أبي الحسين بالحركة الأدبية في عصره.
مقدمة الناشر
ابن فارس اللغوي
عرف ابن فارس بمعرفته الواسعة باللغة، وكتابه"المجمل"في اللغة لا يقل كثيرًا في الشهرة عن كتاب العين، والجمهرة، والصِّحاح.
توثيقه:
(1) البيت لطرفة في ديوانه 48.
(2) انظر نهاية ترجمة ابن فارس في إرشاد الأريب.