وقد سَبَق الزمخشريَّ إلى هذا التخريجِ الفَرَّاءُ والزجَّاجُ . إلاَّ أنَّ الفَرَّاء استشعر إشكالاً وانفصل عنه ، فإنه قال:"فُتِحَتْ"أنَّ"لوقوع الإِيمانِ عليها ، وأنت تجدُ الإِيمانَ يَحْسُنُ في بعضِ ما فُتحَ دونَ بعضٍ ، فلا يُمْنَعُ من إمضائِهنَّ على الفتح ، فإنه يَحْسُنُ فيه ما يُوْجِبُ فَتْحَ"أنَّ"نحو: صَدَقْنا وشَهِدْنا ، كما قالت العربُ:"
4347 ... ... ... ... ... ... ... وزَجَّجْنَ الحواجبَ والعُيونا
فنصَبَ"العيونَ"لإِتباعِها الحواجبَ ، وهي لا تُزَجَّجُ . إنما تُكَحَّلُ ، فأضمر لها الكُحْلَ"انتهى . فأشار إلى شيءٍ مِمَّا ذكرَه مكيٌّ وأجاب عنه . وقال الزجَّاج:"لكنَّ وجهَه أَنْ يكونَ محمولاً على معنى"آمنَّا به"؛ لأنَّ معنى"آمَنَّا به"صَدَّقْناه وعَلِمْناه ، فيكون المعنى: صَدَّقْنا أنه تعالى جَدُّ ربِّنا"."
الثالث: أنه معطوفٌ على الهاء به"به"، أي: آمنَّا به وبأنه تعالى جَدُّ ربِّنا ، وبأنه كان يقولُ ، إلى آخره ، وهو مذهب الكوفيين . وهو وإن كان قوياً من حيث المعنى إلاَّ أنَّه ممنوعٌ مِنْ حيث الصناعةُ ، لِما عَرَفْتَ مِنْ أنَّه لا يُعْطَفُ على الضميرِ المجرورِ إلاَّ بإعادةِ الجارِّ . وقد تقدَّم تحقيقُ هذَيْن القولَيْن مستوفىً في سورةِ البقرة عند قولِه: {وَكُفْرٌ بِهِ والمسجد الحرام} [البقرة: 217] على أنَّ مكِّيَّاً قد قَوَّى هذا لمَدْرَكٍ آخرَ وهو حَسَنٌ جداً ، قال - رحمه الله:"وهو يعني العطفَ على الضميرِ المجرورِ دونَ إعادةِ الجارِّ في"أنَّ"أجوَدُ منه في غيرها ، لكثرةِ حَذْفِ حرفِ الجرِّ مع"أنَّ"."