أي: قال للمتظاهرين عليه من الكفّار: إنما أدعو ربي، أي: لم آتِكم بأمر ينكر إنما أدعو ربي وحده، وليس ذلك مما يوجب إطباقكم على عدواتي، أو قال للجن عند ازدحامهم متعجبين ليس ما ترون من عبادة الله أمرًا يتعجّب منه، إنما يتعجب ممن يعبد غيره تعالى، أو قال الجن لقومهم ذلك حكاية عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وهذا كله مرتب على الخلاف في عود الضمير في {كادوا} . وقرأ عاصم وحمزة وأبو عمرو بخلاف عنه {قُلْ} ؛ أي: قل يا محمد لهؤلاء المزدحمين عليك وهم إما الجن، وإما المشركون على اختلاف القولين في ضمير {كَادُوا} .
21 -ثم بين أنه لا يملك من الأمر شيئًا فهو لا يستطيع هدايتهم ولا جلب الخير لهم، فقال: {قُلْ} يا محمد لهؤلاء المشركين: {إِنِّي لَا أَمْلِكُ} ؛ أي: لا أستطيع {لَكُمْ} أيها المشركون {ضَرًّا} ولا نفعًا، ولا أملك لكم غيّا {وَلَا رَشَدًا} ؛ أي: هدايةً، أي: ليس هذا كله بيدي بل بيد الله تعالى، فإنه هو الضارّ النافع الهادي المضلّ، فترك من كلا المتقابلين ما ذكر في الآخر فالآية فيها من المحسنات البديعية الاحتباك، وهو الحذف من كل متقابلين ما يدل عليه الآخر.
والمعنى: أي قل أيها الرسول لأولئك المشركين الذين ردّوا عليك ما جئتهم به من النصيحة: إنّي لا أملك لكم ضرًّا في دينكم ولا دنياكم، ولا نفعًا أجلبه لكم، إنما الذي يملك ذلك كله هو الله الذي له ملك كلّ شيء، وهو القادر على ذلك وحده، وكأنه عليه السلام أمر أن يقول ما أردت إلا نفعكم فقابلتموني بالإساءة، وليس في استطاعتي النفع الذي أردت، ولا الضر الذي أكافئكم به إنّما ذان لله تعالى. وفي هذا تهديد عظيم لهم، وتوكل على الله عزّ وجلّ، وإنه هو الذي يجزيه بحسن صنيعه، ويجزيهم بسوء صنيعهم. وفيه إيماء إلى أنه لا يدع التبليغ لتظاهرهم عليه.
22 -ثم بين عجزه عن شؤون نفسه بعد عجزه عن شؤون غيره، فقال: {قُلْ} يا محمد لهؤلاء المشركين: {إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي} ؛ أي: لن ينقذني، ويخلِّصني {مِنَ اللَّهِ} ؛ أي: من قهره وعذابه .. إن خالفت أمره وأشركت به {أَحَدٌ} من المخلوقات إن استنقذته، أو لن ينجيني منه أحد إن أرادني بسوء قدره عليّ من مرض أو موت أو غيرهما.