قال ابن جرير: الجَدَّ بمعنى الحظ . يقال: فلان ذو جَد في هذا الأمر إذا كان له حظ فيه ، وهو الذي يقال له بالفارسية: البخت . والمعنى: أن حظوته من الملك والسلطان والقدرة العظيمة عالية ، فلا تكون له صاحبة ولا ولد ، لأن الصاحبة إنما تكون للضعيف العاجز الذي تضطره الشهوة الباعثة إلى اتخاذها ، وأن الولد إنما يكون عن شهوة أزعجته إلى الوقاع الذي يحدث منه الولد . فقال النفر من الجن: علا ملك ربِّنا وسلطانه وقدرته وعظمته أن يكون ضعيفاً ضعف خلقه ، الذين تضطرهم الشهوة إلى اتخاذ صاحبة ، أو وقاع شيء يكون منه ولد .
{وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا} يعنون به مضلهم ومغويهم {عَلَى اللَّهِ شَطَطاً} أي: قولاً ذا شطط . صفة لقول مقدر بتقدير مضاف . أو جعل عين الشطط مبالغة فيه . وأصله مجاوزة الحد ، والمراد منه نسبة الصاحبة والولد إلى الله تعالى: {وَأَنَّا ظَنَنَّا أَن لَّن تَقُولَ الْإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى اللَّهِ كَذِباً} أي: في نسبة ما ليس بحق ، إليه سبحانه . وهو اعتذار عن اتباعهم السفيه في ذلك ، لظنهم أن أحداً لا يكذب على الله ، حتى تبيّن لهم بالقرآن كذب السفيه وافتراؤه .
{وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ الْإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِّنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقاً} روى ابن جرير عن ابن عباس قال: كان رجال من الإنس يبيت أحدهم بالوادي في الجاهلية فيقول: أعوذ بعزيز هذا الوادي ، فزادهم ذلك إثماً . ففي الآية إشارة إلى ما كانوا يعتقدون في الجاهلية من أن الوديان مَقرُّ الجن وأن رؤساءها تحميهم منهم . وهكذا قال إبراهيم: كانوا إذا نزلوا الوادي قالوا: نعوذ بسيد هذا الوادي من شر ما فيه ، فتقول الجن: ما نملك لكم ولا لأنفسنا ضراً ولا نفعاً .