ويجوز أن يراد: فلا يخاف أن يبخس بل يجزى الجزاء الأوفى ، ولا أن ترهقه ذلة من قوله عز وجل: {ترهقهم ذلة} انتهى.
وقرأ الجمهور: {بخساً} بسكون الخاء ؛ وابن وثاب: بفتحها.
{ومنا القاسطون} : أي الكافرون الجائزون عن الحق.
قال مجاهد وقتادة: والبأس القاسط: الظالم ، ومنه قول الشاعر:
قوم هم قتلوا ابن هند عنوة ...
وهمو اقسطوا على النعمان
وجاء هذا التقسيم ، وإن كان قد تقدم {وأنا منا الصالحون} ، ومنا دون ذلك ليذكر حال الفريقين من النجاة والهلكة ويرغب من يدخل في الإسلام.
والظاهر أن {فمن أسلم} إلى آخر الشرطين من كلام الجن.
وقال ابن عطية: الوجه أن يكون {فمن أسلم} مخاطبة من الله تعالى لمحمد (صلى الله عليه وسلم) ، ويؤيده ما بعد من الآيات.
وقرأ الأعرج: رشداً ، بضم الراء وسكون الشين ؛ والجمهور: بفتحهما.
وقال الزمخشري: وقد زعم من لا يرى للجن ثواباً أن الله تعالى أوعد قاسطيهم وما وعد مسلميهم ، وكفى به وعيداً ، أي فأولئك تحروا رشداً ، فذكر سبب الثواب وموجبه ، والله أعدل من أن يعاقب القاسط ولا يثيب الراشد.
انتهى ، وفيه دسيسة الاعتزال في قوله وموجبه.
وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا (16)
هذا من جملة الموحى المندرج تحت {أوحى إليّ} ، وأن مخففة من الثقيلة ، والضمير في {استقاموا} ، قال الضحاك والربيع بن أنس وزيد بن أسلم وأبو مجلز: هو عائد على قوله: {فمن أسلم} ، والطريقة: طريقة الكفر ، أي لو كفر من أسلم من الناس {لأسقيناهم} إملاء لهم واستدراجاً واستعارة ، الاستقامة للكفر قلقة لا تناسب.
وقال ابن عباس ومجاهد وقتادة وابن جبير: هو عائد على القاسطين ، والمعنى على الطريقة الإسلام والحق ، لأنعمنا عليهم ، نحو قوله: {ولو أن أهل الكتاب آمنوا واتقوا} وقيل: الضمير في استقاموا عائد على الخلق كلهم ، وأن هي المخففة من الثقيلة.