ويحتمل وجهًا آخر، وهو أن الذي يسمعون منه رسول كريم، وليس بشاعر، ولا كاهن، ولا متقول؛ لأنهم كانوا مرة ينسبونه إلى الكهانة، ومرة إلى السحر، ومرة أنه تقوله على اللَّه، ولو تقول (لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ(45) يبين أن عذاب اللَّه بأخص عباده أسرع وقوعًا إذا هم خالفوا، وزلوا - منه بأعدائه؛ ألا ترى إلى قوله - تعالى -: (لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ) فبين أنه لو وجد منه شيء مما قالوا فيه، لأخذه على المكان؛ ألا ترى إلى آدم - عليه السلام - وما حل به عندما ابتلي بالزلة والخلاف، وكذلك يونس - عليه السلام - وما عوتب على أثر الزلة؛ وهذا لأن عذاب الأولياء يخرج مخرج التنبيه، والتذكير، والاستدعاء إلى ما كانوا عليه من الطاعة، والانقياد قبل ارتكابهم الزلة، ولا كذلك عذاب الأعداء، فأخر عذابهم إلى اليوم الذي يدوم عليهم فيه العذاب.
وفيه وجه آخر: وهو أن الذي سمعتم منه لو كان سحرًا أو شعرًا أو كهانة أو تقوَّله، لكان لا يمهله اللَّه - تعالى - بل يؤاخذه على المكان من غير أن حجزوا، كما قال: (فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ) ، فإمهاله دل على أن الأمر ليس كما قالوا، بل هو تنزيل من رب العالمين.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ) فأخذ اللَّه - تعالى -: عذابه وعقوبته؛ كقوله - تعالى -: (فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ) ، وقوله - عَزَّ وَجَلَّ - (فَأَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً) .
وقوله: (بِالْيَمِينِ) . أي: بالقوة؛ أي: لا يعجزنا عنه شيء، ولا يفوتنا عذابه؛ كقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَمَا هُم بِمُعْجِزِينَ) ، وهو كقوله - تعالى -: (وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ) ، أي: لا يعجزنا ما عنده من الشرف والقوة من أن نؤاخذه، وننزل عليه النقمة.