وإنما أخبر عن {أحد} وهو مفرد بـ {حاجزين} جمعاً لأن {أحد} هنا وإن كان لفظه مفرداً فهو في معنى الجمع لأن {أحد} إذا كان بمعنى ذات أو شخص لا يقع إلاّ في سياق النفي مثل عَريب ، ودَيّار ونحوهما من النكرات التي لا تستعمل إلاّ منفية فيفيد العموم ، أي كل واحد لا يستطيع الحجز عنه ويستوي في لفظه الواحد والجمع والمذكر والمؤنث قال تعالى: {لا نُفرق بين أحد من رسله} [البقرة: 285] وقال: {لَسْتُنَّ كأحدٍ من النساء} [الأحزاب: 32] .
والمعنى: ما منكم أناس يستطيعون الحجز عنه.
والحجز: الدفع والحيلولة ، أي لا أحد منكم يحجزنا عنه.
والضمير عائد إلى {رسول كريم} [الحاقة: 40] .
و {مِن} في قوله: {مِن أحد} مزيدة لتأكيد النفي وللتنصيص على العموم.
وذِكر {منكم} مع {عنه} تجنيس محرّف.
وهذه الآية دليل على أن الله تعالى لا يُبقي أحداً يدعي أن الله أوحى إليه كلاماً يبلغه إلى الناس ، وأنه يعجل بهلاكه.
فأما من يدعي النبوءة دون ادعاء قولٍ أُوحي إليه ، فإن الله قد يهلكه بعد حين كما كان في أمر الأسود العنسي الذي ادعى النبوءة باليَمن ، ومُسيلمة الحنفي الذي ادعى النبوءة في اليَمامة ، فإنهما لم يأتيا بكلام ينسبانه إلى الله تعالى ، فكان إهلاكهما بعد مدة ، ومثْلهما من ادعَوا النبوءة في الإِسلام مثل (بَابك ومازيّار) .
وقال الفخر:"قيل: اليمين بمعنى القُوة والقدرة ، والمعنى: لأخذنا منه اليمينَ ، أي سلبنا عنه القوة ، والباء على هذا التقدير صلة زائدة."
واعلم أن حاصل هذا أنه لو نسب إلينا قولاً لم نقله لمنعناه عن ذلك: إِما بواسطة إقامة الحجة فإنا نقيض له من يعارضه فيه وحينئذٍ يظهر للناس كذبه فيه فيكون ذلك إبطالاً لدعواه وهدْماً لكلامه ، وإما بأن نسلب عنه القدرة على التكلم بذلك القول ، وهذا هو الواجب في حكمة الله تعالى لئلا يشتبه الصادق بالكاذب"أ هـ."