فذكرهم وذكر استهزاءهم، وأنهم إذا خلْوا إلى شياطينهم يعني رؤساءهم فِي الكفر على ما تقدّم قالوا: إنَّا معكم على دينكم"إنما نحن مستهزئون"بأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم.
"الله يستهزئ بهم"فِي الآخرة، يفتح لهم باب جهنم من الجنة، ثم يقال لهم: تعالوا، فيقبلون يَسْبَحون فِي النار، والمؤمنون على الأرائك وهي السرر فِي الحِجال ينظرون إليهم، فإذا انتهوا إلى الباب سُدّ عنهم، فيضحك المؤمنون منهم؛ فذلك قول الله عزّ وجلّ:"الله يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ"أي فِي الآخرة، ويضحك المؤمنون منهم حين غُلِّقت دونهم الأبواب؛ فذلك قوله تعالى: فاليوم الذين آمَنُواْ مِنَ الكفار يَضْحَكُونَ.
عَلَى الأرائك يَنظُرُونَ [المطففين: 34 - 35] إلى أهل النار {هَلْ ثُوِّبَ الكفار مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ} [المطففين: 36] .
وقال قوم: الخداع من الله والاستهزاء هو استدراجهم بدرور النعم الدنيوية عليهم؛ فالله سبحانه وتعالى يظهر لهم من الإحسان فِي الدنيا خلاف ما يغيب عنهم، ويستر عنهم من عذاب الآخرة، فيظنون أنه راضٍ عنهم، وهو تعالى قد حتّم عذابهم.
فهذا على تأمل البشر كأنه استهزاء ومكر وخداع؛ ودلّ على هذا التأويل قولُه صلى الله عليه وسلم:"إذا رأيتم الله عزّ وجلّ يعطي العبد ما يحبّ وهو مقِيم على معاصيه فإنما ذلك منه استدراج"ثم نزع بهذه الآية: فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حتى إِذَا فَرِحُواْ بِمَآ أوتوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُّبْلِسُونَ.
فَقُطِعَ دَابِرُ القوم الذين ظَلَمُواْ والحمد للَّهِ رَبِّ العالمين [الأنعام: 44 - 45] .
وقال بعض العلماء فِي قوله تعالى: {سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِّنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ} [القلم: 44] : كلما أحدثوا ذنباً أحدث لهم نعمة. انتهى انتهى. {تفسير القرطبي حـ 1 صـ 207 - 209}