{وَإِذَا خَلَوْاْ إلى شياطينهم} من خلوت به وإليه إذا انفردت معه أو من قولهم فِي المثل: اطلب الأمر وخلاك ذم أي عداك ومضى عنك ومنه {قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ} [آل عمران: 137] وعلى الثاني المفعول الأول ههنا محذوف لعدم تعلق الغرض به أي إذا خلوهم، وتعديته إلى المفعول الثاني ب {إلى} لما فِي المضي عن الشيء معنى الوصول إلى الآخر واحتمال أن يكون من خلوت به أي سخرت منه، فمعنى الآية إذا أنهوا السخرية معهم وحدثوهم كما يقال أحمد إليك فلاناً وأذمه إليك مما لا ينبغي أن يخرج عليه كلام رب العزة وإن ذكره الزمخشري والبيضاوي وغيرهما إذ لم يقع صريحاً خلا بمعنى سخر فِي كلام من يوثق به، وقولهم: خلا فلان بعرض فلان يعبث به ليس بالصريح إذ يجوز أن يكون خلا على حقيقته أو بمعنى تمكن منه على ما قيل، والدال على السخرية يعبث به، وزعم النضر بن شميل أن {إلى} هنا بمعنى مع ولا دليل عليه كالقول بأنها بمعنى الباء على أن سيبويه والخليل لا يقولان بنيابة الحرف عن الحرف، نعم إن الخلوة كما فِي"التاج"تستعمل ب (إلى، والباء، ومع) بمعنى واحد ويفهم من كلام الراغب أن أصل معنى الخلو فراغ المكان والحيز عن شاغر وكذا الزمان وليس بمعنى المضي، وإذا أريد به ذلك كان مجازاً وظاهر كلام غيره أنه حقيقة وضعيفان يغلبان قوياً.
والمراد ب {شياطينهم} من كانوا يأمرونهم بالتكذيب من اليهود كما قاله ابن عباس أو كهنتهم كما قاله الضحاك وجماعة وسموا بذلك لتمردهم وتحسينهم القبيح وتقبيحهم الحسن أو لأن قرناءهم الشياطين إن فسروا بالكهنة وكان على عهده صلى الله عليه وسلم كثير منهم ككعب بن الأشرف من بني قريظة، وأبي بردة من بني أسلم، وعبد الدار فِي جهينة، وعوف بن عامر فِي بني أسد، وابن السوداء فِي الشام.