قوله: (وإنما سفهوهم لاعتقادهم فساد رأيهم) قد مَرَّ مرارًا أنهم لكونهم صما وعميا
ومختومئ الْقُلُوب رأوا الحسن قبيحا والقبيح حسنا اعتقدوا أن آراء الْمُسْلمينَ فسدت
وعقولهم اختلت وكانوا من زمرة السفهاء خارجين عن عداد العقلاء وبناء التفعيل للنسبة
مثل فسق أي، وإنَّمَا نسبوا الْمُؤْمنينَ إلَى السفه لاعتقادهم الخ.
قوله: (أو لتحقير شأنهم) لأنهم كانوا في وجاهة وسعة عيش في قومهم ولذا حقروا
شأن الْمُسْلمينَ الفقراء فنسبوا السفه إلَى الكل مَجَازًا للملابسة التامة.
قوله: (فإن أكثر الْمُؤْمنينَ كانوا فقراء) إشَارَة إلَى ما ذكرنا فيكون من قبيل قتل بنو
فلان والقاتل واحد منهم، وإنما احتجنا إلَى ذلك لأن لام السفهاء إما للعهد أو للجنس وعلى
كلا التقديرين لا مساغ لأن يراد بها فقراء الْمُسْلمينَ فقط أما عَلَى الثاني فظاهر، وأما عَلَى
الأول فلأن المعهودين إما الرَّسُول عَلَيْهِ السَّلَامُ ومن معه أو من آمن من أهل ملته فحِينَئِذٍ
يجري هذا الوجه والذي قبله عَلَى تقدير كون اللام في السفهاء للجنس أو العهد لما عرفت
سره (ومنهم موالي كصهيب وبلال) .
قوله: (أو للتجلد وعدم المبالاة) أي التَّكَلُّف أي الشجاعة مأخوذة من الجلد بفتحتين
الْأَرْض الصلبة والمُشْتَق منه قد يكون جامدًا وسيجيء البيان إن شاء الله تَعَالَى قيل يعني
أنهم كانوا عالمين بأن من آمن منهم من السفه بمعزل إلا أنهم سفهوهم إظهارًا للشجاعة
وعدم المبالاة بإيمانهم توقيًا من الشماتة بهم انتهى. وهذا التوجيه لا يلائم قَوْلُه تَعَالَى:
(أفمن زين له سوء عمله) الآية. وما سبق أَيْضًا تصوروا الفساد بصورة
* * * * * * * * * * [حَاشيَة ُابْن التَّمْجيد] * * * * * * * * * *
قوله: (وإنَّمَا سفهوهم أي حكموا عليهم بالسفاهة [ونسبوهم] إليها والحكم بالسفاهة مُسْتَفَاد
من التَّعْبير عنهم بلفظ السفهاء وفي الكَشَّاف والاسْتفْهَام في (أنؤمن) في معنى
الإنكار واللام في (السفهاء) مشار بها إلَى النَّاس كما تقول لصاحبك إن زيدا قد
[سعى] بك فتقول أو قد فعل السفيه ويجوز أن يكون للجنس وينطوي عنه الجاري ذكرهم عَلَى
زعمهم واعتقادهم لأنهم عندهم أعرق النَّاس في السفه.
قوله: سعى بك معناه سعى بك إلَى الوالي أي وشى به ونم وإذا حمل معنى اللام عَلَى الاسْتغْرَاق
يكون السفهاء شاملًا للناس الَّذينَ سبق ذكرهم ولغيرهم، ولما كان سوق الْكَلَام لهم دخلوا فيه دخولًا
أوليًا كما في قَوْله تَعَالَى: (فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا به فَلَعْنَةُ اللَّه عَلَى الْكَافرينَ)
ويتغير معنى السفهاء بتغير إرادة معنى النَّاس جنسًا أو عهدا عَلَى كلا التقديرين فيه.
قوله: أو للتجلد أي للتصبر قوله إن فسر قيد لكون التسفيه للتجلد هذا مبني عَلَى أن اللام
في (السفهاء) و (النَّاس) للعهد بخلاف التعليلين الأولين فإنهما عَلَى
كون اللام فيهما للجنس. والحاصل أن الْمُنَافقينَ إنما سفهوا الْمُؤْمنينَ مع أنهم العقلاء المراجيح
ووزان العقول لأجل أوجه ثلاثة الأول أن الْمُؤْمنينَ عندهم عَلَى الباطل ومن ركب متن الباطل كان
سفيهًا والثاني أن الْمُؤْمنينَ كانوا فقرآء وهم كانوا في رياسة وسطة فنسبوهم إلَى السفه تحقيرًا
لشأنهم الثالث أنه لما أسلم عند الله بن سلام وأصحابه توقع المُنَافقُونَ شماتة أعدائهم بهم قتوقوا
شماتتهم وقَالُوا إنهم سفهاء لا يعبأ بهم.