وأما المعتزلةُ فقد سلكوا مسلكَ التأويل، وذكروا فِي ذلك عدةً من الأقاويل منها أن القومَ لمّا أعرضوا عن الحق وتمكنَ ذلك فِي قلوبهم حتى صار كالطبيعة لهم شُبّه بالوصف الخَلْقي المجبول عليه، ومنها أن المراد به تمثيلُ قلوبِهم بقلوب البهائم التي خلقها الله تعالى خاليةً عن الفِطَن، أو بقلوب قد ختم الله تعالى عليها كما فِي: سال به الوادي إذا هلك، وطارت به العنقاءُ إذا طالت غَيْبته، ومنها أن ذلك فعلُ الشيطان أو الكافر، وإسنادُه إليه تعالى باعتبار كونه بإقداره تعالى وتمكينه، ومنها أن أعراقَهم لما رسَخت فِي الكفر واستحكمت بحيث لم يبق إلى تحصل إيمانهم طريقٌ سوى الإلجاءِ والقسرِ، ثم لم يَفعَلْ ذلك محافظةً على حكمة التكليف عُبّر عن ذلك بالختم، لأنه سدٌّ لطريق إيمانهم بالكلية، وفيه إشعارٌ بترامي أمرهم فِي الغي والعِناد، وتناهي انهماكِهم فِي الشر والفساد، ومنها أن ذلك حكايةٌ لما كانت الكفرة يقولونه مثل قولهم: {قُلُوبُنَا فِى أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِى ءاذانِنَا وَقْرٌ وَمِن بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ} تهكّماً بهم، ومنها أن ذلك فِي الآخرة، وإنما أُخبر عنه بالماضي لتحقق وقوعه ويعضُده قوله تعالى: {وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ القيامة على وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا} ومنها أن المراد بالختم وسْمُ قلوبهم بسِمَةٍ يعرِفها الملائكة فيبغضونهم وينفِرون عنهم. انتهى انتهى. {تفسير أبي السعود حـ 1 صـ 37 - 38}
[فائدة]
قال القرطبي:
الختم يكون محسوساً كما بينا، ومعنىً كما فِي هذه الآية.
فالختم على القلوب: عدم الوعي عن الحق سبحانه مفهوم مخاطباته والفكر فِي آياته.
وعلى السمع.
عدم فهمهم للقرآن إذا تلي عليهم أو دعُوا إلى وحدانيته.
وعلى الأبصار: عدم هدايتها للنظر فِي مخلوقاته وعجائب مصنوعاته؛ هذا معنى قول ابن عباس وابن مسعود وقتادة وغيرهم. انتهى انتهى. {تفسير القرطبي حـ 1 صـ 186 - 187}