إذ أشار بلفظ (كفروا) بدل"لم يؤمنوا"إلى أنهم بعدم الإيمان وقعوا فِي ظلمة الكفر الذي هو مصيبة تفسد جوهر الروح وأيضا هو معدن الآلام.
وبلفظ (لايؤمنون) بدل"لا يتركون الكفر"إلى أنهم مع تلك الخسارة سقط من أيديهم الإيمان الذي هو منبع جميع السعادات.
وبلفظ (ختم الله على قلوبهم) إلى أن القلب والوجدان - الذي حياته وفرحه وسروره وكمالاته بتجلي الحقائق الإلهية بنور الإيمان - بعدما كفروا صار كالبناء الموحش الغير المعمور المشحون بالمضرات والحشرات ، فأُقْفِل وأُمْهِر على بابه ليُجتَنب ، وتُرك مفوضاً للعقارب والأفاعي.
وبلفظ (وعلى سمعهم) إلى فوات نعمة عظيمة سمعية بسبب الكفر ؛ إذ السمع من شأنه - إذا استقر خلف صماخه نورُ الإيمان واستند إليه - الاحتساس بنداء كل العالم وفهم أذكارها ، وسمع صياح الكائنات وتفهم تسبيحاتها.. حتى إن السمعَ ليسمعُ من ترنمات هبوب الريح ، ومن نعرات رعد الغيم ، ومن نغمات أمواج البحر ، ومن صرخات دقدقة الحجر ، ومن هزجات نزول المطر ، ومن سجعات غناء الطير كلاماً ربانياً ، ويفهم تسبيحا علويا ، كأن الكائنات موسيقية عظيمة له ، تهيّج فِي قلبه حزناً علوياً وعشقاً روحانياً فيحزن بتذكر الأحباب والأنيس فيكون الحزن لذة ؛ لا بعدم الأحباب فيكون غماً.. وإذا أظلم ذلك السمع بالكفر صار أصم من تلك الأصوات اللذيذة ، ولايسمع من الكائنات إلا نياحات المأتم ونعيات الموت ، فلا يلقي فِي القلب إلا غم اليتمة - أي عدم الأحباب - ووحشة الغربة - أي عدم المالك والمتعهد - فبناء على هذا السر أحل الشرع بعض الأصوات وهو ماهيّج عشقاً علوياً وحزناً عاشقياً ، وحرّم بعضها وهو ما انتج اشتهاء نفسياً وحزناً يتمياً ، وما لم يُرِكَ الشرع فمَيِّزْه بتأثيره فِي روحك ووجدانك.