وقيل: بلغه من المشركين سوء قولٍ فيه ، فاشتد عليه فتزمل في ثيابه وتدثر ، فنزلت: {يا أيها المزمل} و {يا أيها المدثر} .
وقيل: كان هذا في ابتداء ما أوحى إليه ، فإنه لما سمع قول الملك ونظر إليه أخذته الرعدة فأتى أهله فقال:"زمّلوني دثروني"روى معناه عن ابن عباس.
وقالت الحكماء: إنما خاطبه بالمزمّل والمدّثر في أوّل الأمر ؛ لأنه لم يكن بعد ادثر شيئاً من تبليغ الرسالة.
قال ابن العربي: واختلف في تأويل"يا أَيُّهَا الْمُزَّمِّل"فمنهم من حمله على حقيقته ، قيل له: يا من تلفّف في ثيابه أو في قطيفته قم ؛ قاله إبراهيم وقتادة.
ومنهم من حمله على المجاز ، كأنه قيل له: يا من تزمل بالنبوّة ؛ قاله عكرمة.
وإنما يسوغ هذا التفسير لو كانت الميم مفتوحة مشدّدة بصيغة المفعول الذي لم يسم فاعله ، وأما هو بلفظ الفاعل فهو باطل.
قلت: وقد بينا أنها على حذف المفعول: وقد قرئ بها ، فهي صحيحة المعنى.
قال: وأما من قال إنه زمّل القرآن فهو صحيح في المجاز ، لكنه قد قدّمنا أنه لا يحتاج إليه.
الثالثة: قال السُّهَيْلِي: ليس المزمّل باسم من أسماء النبيّ صلى الله عليه وسلم ، ولم يعرف به كما ذهب إليه بعض الناس وعدُّوه في أسمائه عليه السلام ، وإنما المزمّل اسم مشتق من حالته التي كان عليها حين الخطاب ، وكذلك المدثّر.
وفي خطابه بهذا الاسم فائدتان: إحداهما الملاطفة ؛ فإنّ العرب إذا قصدت ملاطفة المخاطب وترك المعاتبة سموه ، باسم مشتق من حالته التي هو عليها ؛ ك"قول النبيّ صلى الله عليه وسلم لعلي حين غاضب فاطمة رضي الله عنهما ، فأتاه وهو نائم وقد لصق بجنبه التراب فقال له:"قم يا أبا تراب"إشعاراً له أنه غير عاتب عليه ، وملاطفةً له."
وكذلك"قوله عليه السلام لحذيفة:"قم يا نومان"وكان نائماً ملاطفةً له ، وإشعاراً لِترك العتب والتأنيب."