وطريق التوفيق بين المذهبين أَن ما ذكر ابن عباس وقع أَولًا، فأَوحى الله إِلى رسوله بهذه السورة، ثم أُمر صلى الله عليه وسلم بالخروج إِليهم بعد ذلك كما روى ابن مسعود.
هذا، وفي أمر الله رسوله أَن يظهر لأَصحابه ما أَوحاه الله إِليه به في واقعة الجن فوائد: منها أَن يعرف الصحابة أَنه - عليه الصلاة والسلام - كما بعث إِلى الأَنس بعث إِلى الجن، وأَن تعلم قريش أَن الجن مع تمردهم لَمَّا سمعوا القرآن عرفوا إِعجازه فآمنوا بالرسول - عليه الصلاة والسلام - وفي هذا تعريض بهم لأَنهم يعرفون ذلك فإِن القرآن الكريم قد نزل بلغتهم ولم يستطيعوا معارضته والإِتيان بمثله أَو بسورة من مثله مع تحديهم بذلك، ولكنهم - لظلمهم بآيات الله يجحدون، ومنها أَن المؤمن من الجن يدعو غيره من قبيله إِلى الإِيمان به (يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِي اللهِ وَآمِنُوا بِهِ) ، ومنها أَن الجن يسمعون كلامنا ويفهمون لغاتنا.
{وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا (6) وَأَنَّهُمْ ظَنُّوا كَمَا ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَبْعَثَ اللهُ أَحَدًا (7) وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا (8) وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا (9) }
المفردات:
(يَعُوذُونَ) : يلتجئون، من العَوْذ، وهو الالتجاء إِلى الغير والتعلق به.
(رَهَقًا) : الرهق: غشيان المحارم وإِتيانها.
(لَمَسْنَا السَّمَاءَ) : اللمس: المس، فاستعير للطلب، لأَن الماسَّ طالب متعرف أَي: طلبنا بلوغ السماء.
(شُهُبًا) : جمع شهاب، وهو النجم المحرق.
(رَصَدًا) : راصدًا ومستعدًّا ومترقبًا له.
التفسير:
6 - {وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا (6) } :
قيل: إن الرجل من العرب في الجاهلية كان إِذا أَمسى في قفر من الأَرض قال: أَعوذ بسيد هذا الوادي أَو بعزيز هذا المكان من شر سفهاءِ قومه، يريد الجن وكبيرهم، فيبيت في جواره حتى يصبح.