(إلا من ارتضى من رسول , فإنه يسلك من بين يديه ومن خلفه رصدا , ليعلم أن قد أبلغوا رسالات ربهم , وأحاط بما لديهم , وأحصى كل شيء عددا) . .
فالرسل الذين يرتضيهم الله لتبليغ دعوته , يطلعهم على جانب من غيبه , هو هذا الوحي:موضوعه , وطريقته , والملائكة الذين يحملونه , ومصدره , وحفظه في اللوح المحفوظ . . إلى آخر ما يتعلق بموضوع رسالتهم مما كان في ضمير الغيب لا يعلمه أحد منهم .
وفي الوقت ذاته يحيط هؤلاء الرسل بالأرصاد والحراس من الحفظة , للحفظ والرقابة . يحمونهم من وسوسة الشيطان ونزغه , ومن وسوسة النفس وتمنيتها , ومن الضعف البشري في أمر الرسالة , ومن النسيان أو الانحراف . ومن سائر ما يعترض البشر من النقص والضعف . .
والتعبير الرهيب - (فإنه يسلك من بين يديه ومن خلفه رصدا) . . يصور الرقابة الدائمة الكاملة للرسول , وهو يؤدي هذا الأمر العظيم . . (ليعلم أن قد أبلغوا رسالات ربهم) . . والله يعلم . ولكن المقصود هو أن يقع منهم البلاغ فيتعلق به علمه في عالم الواقع .
(وأحاط بما لديهم) . . فما من شيء في نفوسهم وفي حياتهم ومن حولهم , إلا وهو في قبضة العلم لا يند منه شيء . .
(وأحصى كل شيء عددا) . . لا يقتصر على ما لدى الرسل ; بل يحيط بكل شيء إحصاء وعدا , وهو أدق الإحاطة والعلم !
وتصور هذه الحال . والرسول محوط بالحراس والأرصاد . وعلم الله على كل ما لديه . وكل ما حوله . وهو يتلقى التكليف جنديا لا يملك إلا أن يؤدي . ويمضي في طريقه ليس متروكا لنفسه , ولا متروكا لضعفه , ولا متروكا لهواه , ولا متروكا لما يحبه ويرضاه . إنما هو الجد الصارم والرقابة الدقيقة . وهو يعلم هذا ويستقيم في طريقه لا يتلفت هنا أو هناك . فهو يعلم ماذا حوله من الحرس والرصد , ويعلم ما هو مسلط عليه من علم وكشف !
إنه موقف يثير العطف على موقف الرسول , كما يثير الرهبة حول هذا الشأن الخطير .