فأما الذين يرون في هذا كله مجرد تمثيل وتصوير لحفظ الله للذكر من الالتباس بأي باطل ; وأنه لا يجوز أن يؤخذ على ظاهره . . فسبب هذا عندهم أنهم يجيئون إلى القرآن بتصورات مقررة سابقة في أذهانهم , أخذوها من مصادر أخرى غير القرآن . ثم يحاولون أن يفسروا القرآن وفق تلك التصورات السابقة المقررة في أذهانهم من قبل . . ومن ثم يرون الملائكة تمثيلا لقوة الخير والطاعة . والشياطين تمثيلا لقوة الشر والمعصية . والرجوم تمثيلا للحفظ والصيانة ... الخ لأن في مقرراتهم السابقة - قبل أن يواجهوا القرآن - أن هذه المسميات:الملائكة والشياطين أو الجن , لا يمكن أن يكون لها وجود مجسم على هذا النحو , وأن تكون لها هذه التحركات الحسية , والتأثيرات الواقعية !!!
من أين جاءوا بهذا ? من أين جاءوا بهذه المقررات التي يحاكمون إليها نصوص القرآن والحديث ?
إن الطريق الأمثل في فهم القرآن وتفسيره , وفي التصور الإسلامي وتكوينه . . أن ينفض الإنسان من ذهنه كل تصور سابق , وأن يواجه القرآن بغير مقررات تصورية أو عقلية أو شعورية سابقة , وأن يبني مقرراته كلها حسبما يصور القرآن والحديث حقائق هذا الوجود . ومن ثم لا يحاكم القرآن والحديث لغير القرآن . ولا ينفي شيئا يثبته القرآن ولا يؤوله ! ولا يثبت شيئا ينفيه القرآن أو يبطله . وما عدا المثبت والمنفي في القرآن , فله أن يقول فيه ما يهديه إليه عقله وتجربته . .
نقول هذا بطبيعة الحال للمؤمنين بالقرآن ... وهم مع ذلك يؤلون نصوصه هذه لتوائم مقررات سابقة فيعقولهم , وتصورات سابقة في أذهانهم لما ينبغي أن تكون عليه حقائق الوجود . .