وملخصه تقييد الغيب بما هو معجزة أو من وظائف الرسالة . وهكذا نحا النسفي في الجواب ، مع بيان الفارق وعبارته: أي: إلا رسولاً قد ارتضاه لعلم بعض الغيب ، ليكون إخباره عن الغيب معجزة له ، فإنه يطلعه على غيبه ما شاء: و {مِن رَّسُولٍ} بيان {مَنِ ارْتَضَى} والولي إذا أخبر بشيء فظهر ، فهو غير جازم عليه ، ولكنه أخبر بناء على رؤياه ، أو بالفراسة . على أن كل كرامة للوليّ فهي معجزة للرسول . انتهى .
وقال الرازي: وعندي أن الآية لا دلالة فيها على شيء مما قالوه - يعني الزمخشري ومن تابعه - والذي تدل عليه أن قوله {عَلَى غَيْبِهِ} ليس فيه صيغة عموم ، فيكفي في العمل بمقتضاه أن لا يظهر تعالى خلقه على غيب واحد من غيوبه ، فنحمله على وقت وقوع القيامة ، فيكون المراد من الآية أنه تعالى لا يظهر هذا الغيب لأحد ، فلا يبقى في الآية دلالة على أنه لا يظهر شيئاً من الغيوب لأحد .
قال: والذي يؤكد هذا التأويل أنه تعالى إنما ذكر هذه الآية عقب قوله:
{إِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ مَّا تُوعَدُونَ أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي أَمَداً} يعني: لا أدري وقت وقوع القيامة ، ثم قال بعده: {عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَداً} أي: وقت وقوع القيامة من الغيب الذي لا يظهره الله لأحد . وبالجملة فقوله: {عَلَى غَيْبِهِ} لفظ مفرد مضاف ، فيكفي في العمل به حمله على غيب واحد . فأما العموم فليس في اللفظ دلالة عليه .
فإن قيل: فإذا حملتم ذلك على القيامة ، فكيف قال: {إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ} مع أنه لا يظهر هذا الغيب لأحد من رسله ؟