{وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ} يعني محمداً صلى الله عليه وسلم ، {يَدْعُوهُ} أي: يعبد ربه ، {كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً} أي: جماعات بعضها فوق بعض ، تعجباً مما رأوه من عبادته ، واقتداء أصحابه به ، وإعجاباً بما تلا من القرآن ، لأنهم رأوا ما لم يروا مثله ، وسمعوا بما لم يسمعوا بنظيره . فالضمير في {كَادُوا} للجن ، وقد بيّن ذلك حديث البخاري كما تقدم . وجوّز رجوعه للمشركين بمكة . والمعنى: لما قام رسولاً يعبد الله وحده ، مخالفاً للمشركين في عبادتهم الآلهة من دونه ، كاد المشركون لتظاهرهم عليه ، وتعاونهم على عداوته ، يزدحمون عليه متراكمين - حكاه الزمخشري - ثم قال:
{لِبَداً} جمع لبدة ، وهو ما تلبد بعضه على بعض ، ومنها لبدة الأسد .
{قُلْ إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِهِ أَحَدًا * قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً وَلَا رَشَداً} [20 - 21]
{قُلُ} وقرئ قال {إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي} أي: أعبده ، وأبتهل إليه وحده ، {وَلَا أُشْرِكُ بِهِ أَحَداً} أي: فليس ذلك ببدع ولا منكر يوجب تعجبكم ، أو إطباقكم على مقتي .
{قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً وَلَا رَشَداً} أي: لأن ذلك لله تعالى ، وحده ، فلا تستعجلوني بالعذاب .
قال الشهاب في توضيح ما للقاضي هنا: إما أن يراد بالرشد النفع ، تعبيراً باسم السبب عن المسبب ، أو يراد بالضرّ الغيّ ، تعبيراً باسم المسبب عن السبب . ويجوز أن يجرد من كل منهما ما ذكر في الآخر ، فيكون احتباكاً . والتقدير: لا أملك لكم ضراً ولا نفعاً ، ولا غيّاً ولارشداً .
{قُلْ إِنِّي لَن يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ}
أي: إن أراد بي سوءاً {وَلَنْ أَجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَداً} أي: ملتجأ إن أهلكني . وأصله: المدخل من اللحد .