المسألة الثانية: قوله {بِشَهَادَاتِهِمْ قَآئِمُونَ} في معرض المدح ، وإخراجهم من وصف {إِنَّ الإنسان خُلِقَ هَلُوعاً} [المعارج: 19] يدل بمفهومه أن غير القائمين بشهاداتهم غير خارجين من ذلك الوصف الذميم.
وقد دلت آيات صريحة على هذا المفهوم ، منها قوله تعالى: {وَلاَ تَكْتُمُواْ الشهادة وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ} [البقرة: 283] ، وقوله: {وَلاَ نَكْتُمُ شَهَادَةَ الله إِنَّآ إِذَاً لَّمِنَ الآثمين} [المائدة: 106] .
وكذلك في معرض المدح في وصف عباد الرحمن في قوله: {والذين لاَ يَشْهَدُونَ الزُّورَ} [الفرقان: 72] .
وفي الحديث من عظم جرم شهادة الزور ، وكان صلى الله عليه وسلم متكئاً فجلس ، فقال: {ألا وشهادة الزور ، ألا وشهادة الزور ، فما زال يكررها حتى قلنا: ليته سكت} تنبيه
قوله: {والذين هُم بِشَهَادَتِهِمْ قَآئِمُونَ} يفيد القيام بالشهادة مطلقاً ، وجاء قوله: {وَلاَ يَأْبَ الشهدآء إِذَا مَا دُعُواْ} [البقرة: 282] فقيد القيام بالشهادة بالدعوة إليها.
وفي الحديث:"خير الشهود من يأتي بالشهادة قبل أن يسألها"
وفي حديث آخر في ذم المبادرة بها ، ويشهدون قبل أن يستشهدوا. وقد جمع العلماء بين الحديثين بأن الأول في حالة عدم معرفة المشهود له بما عنده له من شهادة ، أو يتوقف على شهادته حق شرعي كرضاع وطلاق ونحوه ، والثاني بعكس ذلك.
وقد نص ابن فرحون أن الشهادة في حق الله على قسمين ، قسم تستديم فيه الحرمة كالنكاح والطلاق ، فلا يتركها ، وتركها جرحة في عدالته ، وقسم لا تستديم فيه الحرمة كالزنى والشرب ، فإن تركها أفضل ما لم يدع لأدائها. لحديث هذال في قصة ماعز حيث قال له صلى الله عليه وسلم:"هلا سترته بردائك"
المسألة الثالثة: موطان الشهادة الواردة في القرآن ، والتي يجب القيام فيها ، نسوقها على سبيل الإجمال.