إِنكار لقولهم وردع لهم عن طمعهم الكاذب في دخولها بلا إِيمان، لأَنا خلقناهم من أَجل ما يعلمون، وهو تكميل النفس بالإِيمان والطاعة، أَما من لم يستكملها بذلك، فهو بمعزل عن أَن يتبوأَ متبوأَ الكاملين، فمن أَين لهم أَن يطمعوا في دخول الجنة، وهم مكبون على الكفر والفسوق، وإِنكار البعث وهو معلوم لهم باعتبار سماعهم عنه من النبي صلى الله عليه وسلم.
وقيل المعنى: إِنا خلقناهم من نطفة قذرة لا تناسب عالم القدس كما خلقنا بني آدم كلهم، ومن حكمنا أَلا يدخل أَحد الجنة إِلاَّ بالإِيمان فلِم يطمع أَن يدخلها من لا إِيمان له؟ وفيه من الإِنكار عليهم والردع لهم ما فيه.
وقيل: الأَقرب أَنه كلام مستأنف قد سيق تمهيدا لما بعده من بيان قدرته على أَن يهلكهم لكفرهم بالبعث والجزاء، واستهزائهم بالرسول والقرآن، وادعائهم دخول الجنة بطريق السخرية، وأَن ينشئَ بدلهم قومًا آخرين خيرًا منهم، فإِن قدرته سبحانه على ما يعلمون من أَنه أَنشأَهم النشأَة الأُولى حجة واضحة على قدرته على ذلك. كما تفصح عنه فاء الفصيحة في قوله سبحانه:
41،40 - {فَلَا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ إِنَّا لَقَادِرُونَ (40) عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ خَيْرًا مِنْهُمْ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ (41) } :
المعنى: إِذا كان الأَمر كما ذكرنا من أَنه سبحانه أَنشأَهم إِنشاءً من النطقة المذرة كما يعلمون ولم يكونوا شيئًا مذكورًا: فلا أُقسم برب مشارق الشمس والقمر والكواكب ومغاربها على قدرتنا البالغة على أَن تهلكهم حسبما تقتضيه جناياتهم، ونعيدهم يوم القيامة بأَبدان أَطوع لله، وأَمثل منهم؛ وذلك لظهور الأَمر واستغنائه عن التحقيق والتأكيد بالقسم لأَن الإِعادة أَهون من البدءِ كقوله تعالى: (كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ) أَي: بالبعث.