فصل
قال الفخر:
قالت المعتزلة: هذه الآية لا يمكن أجراؤها على ظاهرها لوجوه: أحدها: قوله تعالى: {وإخوانهم يَمُدُّونَهُمْ فِى الغى} أضاف ذلك الغي إلى إخوانهم، فكيف يكون مضافاً إلى الله تعالى.
وثانيها: أن الله تعالى ذمهم على هذا الطغيان فلو كان فعلاً لله تعالى فكيف يذمهم عليه.
وثالثها: لو كان فعلاً لله تعالى لبطلت النبوة وبطل القرآن فكان الاشتغال بتفسيره عبثاً.
ورابعها: أنه تعالى أضاف الطغيان إليهم بقوله:"فِي طغيانهم"ولو كان ذلك من الله لما أضافه إليهم، فظهر أنه تعالى إنما أضافه إليهم ليعرف أنه تعالى غير خالق لذلك، ومصداقه أنه حين أسند المد إلى الشياطين أطلق الغي ولم يقيده بالإضافة فِي قوله: {وإخوانهم يَمُدُّونَهُمْ فِى الغى} [الأعراف: 202] إذا ثبت هذا فنقول: التأويل من وجوه: أحدها: وهو تأويل الكعبي وأبي مسلم بن يحيى الأصفهاني أن الله تعالى لما منحهم ألطافه التي يمنحها المؤمنين وخذلهم بسبب كفرهم وإصرارهم عليه بقيت قلوبهم مظلمة بتزايد الظلمة فيها وتزايد النور فِي قلوب المسلمين فسمي ذلك التزايد مدداً وأسنده إلى الله تعالى لأنه مسبب عن فعله بهم.
وثانيها: أن يحمل على منع القسر والإلجاء كما قيل: إن السفيه إذا لم ينه فهو مأمور.
وثالثها: أن يسند فعل الشيطان إلى الله تعالى لأنه بتمكينه وإقداره والتخلية بينه وبين إغواء عباده.
ورابعاً: ما قاله الجبائي فإنه قال ويمدهم أي يمد عمرهم ثم إنهم مع ذلك فِي طغيانهم يعمهون وهذا ضعيف من وجهين: الأول: لما تبينا أنه لا يجوز فِي اللغة تفسير ويمدهم بالمد فِي العمر.
الثاني: هب أنه يصح ذلك ولكنه يفيد أنه تعالى يمد عمرهم لغرض أن يكونوا فِي طغيانهم يعمهون وذلك يفيد الإشكال
أجاب القاضي عن ذلك بأنه ليس المراد أنه تعالى يمد عمرهم لغرض أن يكونوا فِي الطغيان، بل المراد، أنه تعالى يبقيهم ويلطف بهم فِي الطاعة فيأبون إلا أن يعمهوا.