وأما قوله تعالى: {وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ، وقوله: اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ، وأنّ المراد به والله أعلم يجازيهم على مكرهم واستهزائهم، وقد نسمي الجزاء على الشيء باسمه لما بينهما من التعلق، وقد ذكر هذا في إثبات المجاز، وذكروا منه قوله: فَما أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ} [البقرة: 175] ، وقوله: {فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ} [البقرة: 194] ، وقوله: {وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها} [الشورى: 40] .
وقال الشاعر:
ألا لا يجهلنّ أحد علينا ... فنجهل فوق جهل الجاهلينا
يريد فنكافئه على جهله، وقد قيل الجزاء على الشيء إنّما يسمّى باسمه لمقاربته له وتعلقه به وطول الاصطحاب، كما قالوا: القمران والعمران والأسودان، وهلاك أمتي في الأحمرين وأمثال ذلك.
قال الشاعر:
أخذنا بآفاق السماء عليكم ... لنا قمراها والنجوم الطوالع
يعني الشمس والقمر.
وقال آخر:
فقولوا لأهل المكّتين تحاشدوا ... وسيروا إلى آطام يثرب والنخل
يعني مكة والمدينة، وكذلك لمّا كان الجزاء مقرونا بالعمل، وكان على كل جرم عقوبة سموا الجزاء على الفعل باسمه للاصطحاب، وإذا كان ذلك كذلك بطل ما توهّموه من أنّ الله تعالى وصف نفسه باللعب، والهزل والمكر الذي هو تطلب المكائد والحيل. انتهى انتهى {الانتصار للقرآن، للباقلاني} ...