والعاقل من صرف همه عنها حتى لا يتألم عند فراقها، ويأخذ منها بقدر الحاجة ما يستعين به على عبادة ربه.
وأما الشهوات فيقمع منها ما خرج عن طاعة الشرع والعقل، ولا يتبع كل شهوة، ولا يترك كل شهوة، بل يتبع العدل، وخير الأمور أوسطها.
ولا يترك كل شيء في الدنيا، ولا يطلب كل شيء من الدنيا، بل يعلم مقصود كل ما خلق من الدنيا، ويأخذ منه قدر حاجته.
فيأخذ من القوت ما يقوى به البدن على العبادة .. ويأخذ من المسكن ما يكن من الحر والبرد .. ويحفظ الأهل والمال من اللصوص .. ويستقل من المركب ما يحمله لحاجاته من غير إسراف ولا مخيلة .. ويلبس من الكسوة ما يستر عورته .. ويتجمل به في صلاته، ويتزين به في العيد ولقاء الضيوف.
حتى إذا فرغ القلب من شغل البدن أقبل على الله بكليته، واشتغل بالذكر والفكر والطاعات في جل وقته، وكل ميسر لما خلق له، والله شكور حليم.
ومن أمراض القلب: الحرص والطمع.
فالمال وسيلة إلى مقصود صحيح، ويصلح أن يكون آلة ووسيلة إلى مقاصد فاسدة، فهو بحسب استخدامه يكون محمودًا أو مذمومًا.
ولما كانت الطباع مائلة إلى اتباع الشهوات القاطعة عن سبيل الله، وكان المال
مسهلاً وآلة إليها، عظم الخطر فيما يزيد على قدر الكفاية من المال.
فعلى العبد القناعة، فإن تشوف إلى الكثير أو طول أمله فاته عز القناعة، وتدنس لا محالة بالطمع وذل الحرص.
وجره الحرص والطمع إلى مساوئ الأخلاق، وارتكاب المنكرات الخارقة للمروءات، والوقوف بأبواب اللئام.
وقد جبل الآدمي على الحرص والطمع، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب.
ودواء الحرص والطمع:
الاقتصاد في المعيشة .. والرفق في الإنفاق .. والرضا بما قسم الله له.
فإذا تيسر للعبد في الحال ما يكفيه، فلا يضطرب لأجل المستقبل، ويعينه على ذلك قصر الأمل، واليقين بأن الرزق الذي قدر له لا بدَّ أن يأتيه وإن لم يشتد حرصه، وأن يعرف ما في القناعة من عز الاستغناء، وما في الحرص والطمع من الذل.
وبذلك تنبعث رغبته في القناعة، لأنه في الحرص لا يخلو من تعب، وفي الطمع لا يخلو من ذل، وكلاهما مذموم.
وينظر في أحواله المتنعمين من اليهود والنصارى وأراذل الناس.