بسبب هذه المواقف العدائية التآمرية ركز القرآن على التنديد بالمنافقين فِي مواضع عديدة ، واحتوت سورة المنافقين عرضاً مفصّلا لوضعهم. كما تضمنت سورة التوبة والحشر وسور أخرى حملات شديدة على المنافقين ، وتحدثت ثلاث عشرة آية من سورة البقرة عن صفاتهم وعواقب مكرهم.
5 -خداع الضمير:
المنافقون يشكلون مشكلة كبرى للمسلمين ، ذلك لأن المسلمين مكلفون - من جهة - باحتضان كلّ من يظهر الإسلام وبالإمتناع عن تفتيش عقائد الأفراد ، ومسؤولون - من جهة أخرى - عن الحذر من مؤامرات المنافقين وتحركاتهم المشبوهة التي يستهدفون منها الوقوف بوجه الرسالة ، وإن اتخذت هذه التحركات صفة إسلامية ظاهرية.
المنافقون يظنون أنهم بعملهم هذا يستطيعون أن يخدعوا المسلمين ويمرروا عليهم مؤامراتهم ، بينما هؤلاء يخدعون أنفسهم.
التعبير القرآني (يُخَادِعُونَ اللهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا) يوضّح مفهوماً دقيقاً ، فكلمة يخادعون تعني الخداع المشترك من الطرفين ، وتبين أن هؤلاء المنافقين كانوا يعتقدون - لعمى بصيرتهم - أنّ النّبي خدّاع توسّل بالدين والنبوّة وجمع حوله السذّج من النّاس ليكون له حكم وسلطان ، ومن هنا راح المنافقون يتوسلون بخدعة لمقابلة خدعة النّبي! فالتعبير القرآني المذكور يوضّح إذن لجوء المنافقين إلى الخدعة ، ويبين كذلك نظرة هؤلاء الخاطئة إلى النّبي الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) .
ثم تردّ الآية الكريمة على هؤلاء وتقول: (وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاّ أنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ) ، فالفعل"يخدعون"يوضِّح أنّ الخداع من جانب المنافقين فقط ، وتؤكد الآية أيضاً أنهم يخدعون أنفسهم دون أن يشعروا ، لأنهم يبددون بأفعالهم هذه طاقاتهم العظيمة على طريق الإنحراف ، ويحرمون أنفسهم من السعادة التي رسم الله طريقها لهم ، ويغادرون الدنيا وهم صفر اليدين من كل خير ، مثقلون بأنواع الذنوب والآثام.