"قوله تعالى: {بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ} . (ما) في تأويل المصدر كأنه قيل: بكونهم مكذبين وبتكذيبهم. وسنذكر القول في ذلك عند قوله: {وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا} [البقرة:28] ، إن شاء الله."
وحقيقة الكذب: الإخبار عن الشيء بخلاف ما هو به، وقد يستعار لفظ الكذب فيما ليس بكذب في الحقيقة، كقول الأخطل:
كَذَبتكَ عينُك أَمْ رَأَيتَ بواسطٍ
كأنها لما أوهمته خلاف الحقيقة كانت بمنزلة ما كذبته.
وقرأ أهل الكوفة {يَكْذِبُونَ} بالتخفيف من الكذب، وهو أشبه بما قبله وبما بعده؛ لأن قبله: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ} [البقرة: 8] وهذا كذب منهم، وبعده قوله: {وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ} [البقرة: 14] وهذا يدل على كذبهم في دعوى الإيمان.
وأيضا فإن قوله تعالى {وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ} لا يخلو إما أن يراد به المنافقون، أو المشركون، أو الفريقان جميعاً. فإن أراد المنافقين فقد قال فيهم: {وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ (1) } [المنافقون: 1] .
وإن كانوا المشركين فقد قال: {وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (90) مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ} [المؤمنون: 90 - 91] . وإن كانوا الفريقين فقد أخبر عنهم جميعا بالكذب الذي يلزم أن يكون فعله (يكذبون) بالتخفيف.
ومن شدد فلكثرة ما في القرآن مما يدل على التثقيل كقوله: {وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ} [الأنعام: 34] وقوله: {بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ} [يونس: 39] ، {وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي} [يونس: 41] ونحوها من الآيات. انتهى انتهى {التفسير البسيط. 2/ 144 - 31} .