فصل
قال القرطبي:
في هذه الآية أدَلّ دليل وأوضح سبيل على أن الله سبحانه خالق الهدى والضلال، والكفر والإيمان؛ فاعتبروا أيها السامعون، وتعجبوا أيها المفكرون من عقول القدرية القائلين بخلق إيمانهم وهداهم؛ فإن الختم هو الطبع فمن أين لهم الإيمان ولو جَهَدوا؛ وقد طبع على قلوبهم وعلى سمعهم وجعل على أبصارهم غشاوة، فمتى يهتدون، أو من يهديهم من بعد الله إذا أضلهم وأصمهم وأعمى أبصارهم {وَمَن يُضْلِلِ الله فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ} [الرعد: 33] وكان فعل الله ذلك عدلا فيمن أضله وخذله، إذ لم يمنعه حقاً وجب له فتزول صفة العدل، وإنما منعهم ما كان له أن يتفضل به عليهم لا ما وجب لهم.
فإن قالوا: إن معنى الختم والطبع والغشاوة التسميةُ والحكم والإخبارُ بأنهم لا يؤمنون، لا الفعل.
قلنا: هذا فاسد، لأن حقيقة الختم والطبع إنما هو فعل ما يصير به القلب مطبوعاً مختوماً؛ لا يجوز أن تكون حقيقته التسمية والحكم؛ ألا ترى أنه إذا قيل: فلان طبع الكتاب وختمه، كان حقيقة أنه فعل ما صار به الكتاب مطبوعاً ومختوماً، لا التسمية والحكم.
هذا ما لا خلاف فيه بين أهل اللغة، ولأن الأمة مجمعة على أن الله تعالى قد وصف نفسه بالختم والطبع على قلوب الكافرين مجازاة لكفرهم؛ كما قال تعالى: {بَلْ طَبَعَ الله عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ} [النساء: 155] .
وأجمعت الأمة على أن الطبع والختم على قلوبهم من جهة النبي عليه السلام والملائكة والمؤمنين ممتنع؛ فلو كان الختم والطبع هو التسمية والحكم لما امتنع من ذلك الأنبياء والمؤمنون؛ لأنهم كلهم يسمون الكفار بأنهم مطبوع على قلوبهم، وأنهم مختوم عليها وأنهم فِي ضلال لا يؤمنون؛ ويحكمون عليهم بذلك.
فثبت أن الختم والطبع هو معنىً غير التسمية والحكم؛ وإنما هو معنىً يخلقه الله فِي القلب يمنع من الإيمان به؛ دليله قوله تعالى: {كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ المجرمين. لاَ يُؤْمِنُونَ بِهِ} [الحجر: 12] .