وقرأ المفضل {غِشَاوَةٌ} بالنصب. وله وجهان:
أحدهما: أن تحمل على الفعل، كأنه قال: وختم على قلبه غشاوة، أي: بغشاوة فلما حذف الحرف وصل الفعل، ومعنى ختم عليه بغشاوة: مثل جعل على بصره غشاوة. ألا ترى أنه إذا ختمها بالغشاوة فقد جعلها فيها، والدليل على جواز حمل غشاوة على ختم هذا الظاهر قوله: {أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ} [النحل: 108] ، وطبع في المعنى كختم، وقد حملت الأبصار على (طبع) ، فكذلك تحمل على (ختم) .
والوجه الثاني: ما قاله الفراء، وهو أنه نصبها بإضمار (وجعل) ، كقوله في الجاثية: {وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً} [الجاثية: 23] .
والكلام إذا اجتمع ودل أوله على آخره حسن الإضمار، كقولك: أصاب فلان المال، فبنى الدور والعبيد والإماء واللباس، فـ (بنى) لا يقع على العبيد وإلاماء، واللباس فبنى لا يقع على العبيد والإماء ولكنه، صفات اليسار، فحسن الإضمار لما عرف، ومثله كثير. والذي لا يحسن من الإضمار ما يشتبه ولا يعرف المعنى، كقولك: ضربت فلانًا وفلانًا،
وأنت تريد بالثاني: قتلت، لأنه ليس هاهنا دليل، وكذلك قولك: قد أعتقت يساراً أمس وآخر اليوم، وأنت تريد: واشتريت آخر اليوم، فهذا لا يجوز، لأنه مختلف.
قال الزجاج في هذه الآية: إنهم كانوا يسمعون ويبصرون ويعقلون، ولكن لم يستعملوا هذه الحواس استعمالاً يجدي عليهم، فصاروا كمن لا يعقل ولا يسمع ولا يبصر.
وقوله تعالى: {وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} . (العذاب) : كل ما يُعَنَي الإنسان ويشق عليه، وذكرت اشتقاقه عند قوله: {وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ} [البقرة: 10] .
و (العظيم) فعيل من العظم، ومعنى العظم: هو كثرة المقدار في الجثة، ثم استعير ذلك في الصفات، فقيل: كلام عظيم، [وأمر عظيم، أي: عظيم] القدر، يريدون به المبالغة في وصفه، ومن هذا الباب العظام، لأنها من أكبر ما ركب منه البدن، فالعظم في الأصل الزيادة على المقدار، ثم ينقسم إلى عظم الأجسام، وعظم الشأن، وهو منقول إلى عظم الشأن من عظم الجثة، وكثر استعماله حتى صار حقيقة في الموضعين.
ومعنى وصف العذاب بالعظم، هو المواصلة بين أجزاء الآلام بحيث لا تتخللها فرجة، أو إحداث ألم في كل جزء، أو يخلق ألما أشد من ألم. انتهى انتهى {التفسير البسيط. 2/ 110 - 121} .