وقيل: القلوب والأفئدة: قريبان من السواء. وقال بعضهم: سمي القلب قلبا لتقلبه، وأنشد:
ما سمي القلب إلا من تقلبه ... والرأي يصرف بالإنسان أطوارا
وقوله تعالى: {وَعَلَى سَمْعِهِمْ} . وحد السمع، لأنه مصدر، والمصادر
لا تثنى ولا تجمع، [لأن المصدر ينبئ عن الفعل، فهو بمنزلة الفعل، والفعل لا يثنى ولا يجمع] .
وقال ابن الأنباري: أراد: وعلى مواضع سمعهم، فحذف المضاف، كما تقول العرب: تكلم المجلس، وهم يريدون أهله، وحذف المضاف كثير في التنزيل والكلام.
وقيل: اكتفى من الجمع بالواحد، كما قال الراعي:
بها جيف الحسرى فأما عظامها ... فبيض وأما جلدها فصليب
وقال الله تعالى: {يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ} [الشورى: 45] ، وهو كثير جدًّا.
وقال سيبويه: توحيد السمع يدل على الجمع، لأنه توسط جمعين، كقوله: {يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ} [البقرة: 257] ، وقوله: {عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ} [النحل: 48] .
وتم الكلام ههنا.
ثم قال: {وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ} الأبصار جمع البصر، والبصر العين، إلا أنه مذكر، ويقال: تبصرت الشيء بمعنى رمقته، ومنه قول زهير:
تبصر خليلي هل ترى من ظعائن ... البيت
والغشاوة الغطاء، ويقال للجلدة التي على الولد: غشاوة، ومنه غشى على المريض إذا دير به، لأنه لبسةٌ من حال المرض، ومنه غاشية السرج.
وفيه ثلاث لغات: ضم الغين وفتحها وكسرها. والأفصح الكسر، لأن كل ما كان مشتملاً على شيء فهو مبني على (فعالة) كالعمامة والقلادة والعصابة. وكذلك أسماء الصناعات، لأن معنى الصناعة الاشتمال على كل ما فيها، نحو: الخياطة والقصارة، وكذلك كل من استولى، فاسم ما استولى عليه الفعالة نحو: الخلافة والإمارة.
قال أبو علي الفارسي: ولم أسمع منه فعلاً متصرفا بالواو، ولامه (ياء) لأنك تقول: غشي يغشى، والغشيان وغشيته أي: ألبسته وسترته، والغشاوة من الغشيان كالجباوة من جبيت، في أن (الواو) كأنها بدل من (الياء) إذ لم يصرف منه فعل بالواو كما لم يصرف من الجباوة.
والأشهر في القراءة رفع الغشاوة، لأنها لم تحمل على (ختم) ، ألا ترى أنه قد جاء في الأخرى {وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً} [الجاثية: 23] ، فلما لم تحمل في هذه على (ختم) كذلك لا تحمل هاهنا، وبقطعها عن ختم فتكون مرفوعة بعلى.