وعن عائشة رضي الله عنها قالت: كنت أجعل للنبيّ صلى الله عليه وسلم حصيراً يصلّي عليه من الليل ، فتسامع الناس به ، فلما رأى جماعتهم كره ذلك ، وخشي أن يُكتب عليهم قيام الليل ، فدخل البيت كالمغضَب ، فجعلوا يتنحنحون ويتفلون فخرج إليهم فقال:"أيها الناس اكلفوا من الأعمال ما تُطِيقون ، فإن الله لا يَمَلّ من الثواب ، حتى تَمَلُّوا من العمل ، وإن خيرَ العمل أدومُه وإن قلّ".
فنزلت: {يا أيها المزمل} فكُتب عليهم ، فأنزل بمنزلة الفريضة ، حتى إن كان أحدُهم ليَربُط الحبل فيتعلقُ به ، فمكثوا ثمانية أشهر ، فرحمهم الله وأنزل: {إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أدنى مِن ثُلُثَيِ الليل} فردهم الله إلى الفريضة ، ووضع عنهم قيام الليل إلا ما تطوّعوا به"."
قلت: حديث عائشة هذا ذكره الثعلبيّ ، ومعناه ثابت في الصحيح إلى قوله:"وإن قَلَّ"وباقيه يدل على أن قوله تعالى: {يا أيها المزمل} نزل بالمدينة وأنهم مكثوا ثمانية أشهر يقومون.
وقد تقدّم عنها في صحيح مسلم: حولاً.
وحكى الماورديّ عنها قولاً ثالثاً وهو ستة عشر شهراً ، لم يذكر غيره عنها.
وذكر عن ابن عباس أنه كان بين أوّل المزّمل وآخرها سنة ؛ قال: فأما رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد كان فرضاً عليه.
وفي نسخة عنه قولان: أحدهما: أنه كان فرضه عليه إلى أن قبضه الله تعالى.
الثاني: أنه نسخ عنه كما نسخ عن أمته.
وفي مدّة فرضه إلى أن نسخ قولان: أحدهما: المدّة المفروضة على أمته في القولين الماضيين ، يريد قول ابن عباس حولاً ، وقول عائشة ستة عشر شهراً.
الثاني: أنها عشر سنين إلى أن خفف عنه بالنسخ زيادةً في التكليف ، ليميزه بفعل الرسالة ؛ قاله ابن جبير.
قلت: هذا خلاف ما ذكره الثعلبيّ عن سعيد بن جبير حَسْب ما تقدّم فتأمله.
وسيأتي لهذه المسألة زيادة بيان في آخر السورة إن شاء الله تعالى.