ثم فتر الوحي مدة عن النبي (صلى الله عليه وسلم) إلى أن كان بالجبل مرة أخرى فنظر فإذا جبريل , فأدركته منه رجفة , حتى جثى وهوى إلى الأرض , وانطلق إلى أهله يرجف , يقول:"زملوني . دثروني". . ففعلوا . وظل يرتجف مما به من الروع . وإذا جبريل يناديه: (يا أيها المزمل) . . (وقيل:يا أيها المدثر) والله أعلم أيتهما كانت .
وسواء صحت الرواية الأولى عن سبب نزول شطر السورة . أو صحت هذه الرواية الثانية عن سبب نزول مطلعها , فقد علم رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أنه لم يعد هناك نوم ! وأن هناك تكليفا ثقيلا , وجهادا طويلا , وأنه الصحو والكد والجهد منذ ذلك النداء الذي يلاحقه ولا يدعه ينام !
وقيل لرسول الله (صلى الله عليه وسلم) (قم) . . فقام . وظل قائما بعدها أكثر من عشرين عاما ! لم يسترح . ولم يسكن . ولم يعش لنفسه ولا لأهله . قام وظل قائما على دعوة الله . يحمل على عاتقه العبء الثقيل الباهظ ولا ينوء به . عبء الأمانة الكبرى في هذه الأرض . عبء البشرية كلها , وعبء العقيدة كلها , وعبء الكفاح والجهاد في ميادين شتى .
حمل عبء الكفاح والجهاد في ميدان الضمير البشري الغارق في أوهام الجاهلية وتصوراتها , المثقل بأثقال الأرض وجواذبها , المكبل بأوهاق الشهوات وأغلالها . . حتى إذا خلص هذا الضمير في بعض صحابته مما يثقله من ركام الجاهلية والحياة الأرضية بدأ معركة أخرى في ميدان آخر . . بل معارك متلاحقة . . مع أعداء دعوة الله المتألبين عليها وعلى المؤمنين بها , الحريصين على قتل هذه الغرسة الزكية في منبتها , قبل أن تنمو وتمد جذورها في التربة وفروعها في الفضاء , وتظلل مساحات أخرى . . ولم يكد يفرغ من معارك الجزيرة العربية حتى كانتالروم تعد لهذه الأمة الجديدة وتتهيأ للبطش بها على تخومها الشمالية .